العودة   منتديات احباب الحسين عليه السلام > القسم الاسلامي > منتدى أبو الفضل العباس (سلام الله عليه)

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 22-01-2015, 10:20 PM   رقم المشاركة : 1
الكاتب

العلوية ام موسى الاعرجي

الصورة الرمزية العلوية ام موسى الاعرجي


الملف الشخصي









العلوية ام موسى الاعرجي غير متواجد حالياً


101 سيرة أبي الفضل العباس عليه السلام

أبو الفضل العباس

مميزات ولادته (عليه السّلام)

لقد امتاز أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) في ولادته على سائر الناس بما يمتاز به العظماء من أولياء الله في ولادتهم ، حيث كانت ولادته محفوفة بالإرهاصات ، ومشحونة بالقرائن والمقدّمات الدالّة على عظم منزلة المولود عند الله تعالى ، ومقامه الشامخ لديه .
فهذا الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) قبل أن يولد له العبّاس (عليه السّلام) ، بل وقبل أن يتزوّج باُمّه اُمّ البنين ينبئ عن ولادته ويخبر عن مواصفاته ، ويشير إلى ما يتحلّى به من قوّة الإيمان ، وطهارة النفس ، وشجاعة القلب ، ورحابة الصدر ، ومكارم الأخلاق ، وأنه سوف يعضد أخاه الإمام الحسين (عليه السّلام) في مهمّته ، ويفديه بنفسه ويضحي بما لديه من أجله ، ويستشهد في كربلاء بين يديه .
وصرّح (عليه السّلام) بذلك كلّه عندما أفضى بأمره إلى أخيه عقيل بن أبي طالب (عليه السّلام) وهو يستشيره بقضية زواجه ، بعد استشهاد سيّدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، حيث قال له : ((انظر لي امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوّجها ؛ فتلد لي ولداً يكون شجاعاً وعضداً ينصر ولدي الحسين ، ويواسيه في طفّ كربلاء)).

هذا مضافاً إلى أنّ أنباء ما سيأتي ويتحقق في المستقبل من واقعة عاشوراء ، وأخبار طفّ كربلاء ، والتي من أظهرها وأبرزها وفاء العبّاس (عليه السّلام) ، ومواساته لأخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وحراسته لخيام النساء ومَنْ فيها من بنات الرسالة وودائع النبوّة ، وسقايته لأطفال أخيه ، وتقديم يديه من أجل إيصال الماء إليهم ، وتعويض الله تعالى له عنهما بجناحين يطير بهما في الجنّة ، كلّ ذلك ممّا نزل به جبرائيل عن الله تبارك وتعالى على قلب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأخبر بها علياً (عليه السّلام) وبقية أهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، وذلك قبل أن يولد أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) .
المميزات التي امتازت بها ولادة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) من جهة اُمّ البنين (عليها السّلام)
بعد ولادة اُمّ البنين وترعرعها وبلوغها سنّ الرشد ومرحلة الزواج ترى الرؤيا المباركة المبشّرة بزواجها من رجل عظيم ، والمنبئة عن حصولها على أنجال أربعة : أوّلهم كالقمر المنير ، والثلاثة الباقون كالأنجم الزُهر ، وذلك كلّه قبل زواجها ، بل وحتّى قبل أن يخطبها عقيل من أبيها حزام للإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) .
كلّ ذلك وغيره ممّا يدلّ على امتياز أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) في ولادته المنبئ عن عظمته ، ورفيع مقامه ، ومنزلته عند الله تبارك وتعالى، والشهداء السعداء وعباد الله الصالحون لديه (عزّ وجلّ) .

بشـرى الولادة

روي أنّ قنبراً مولى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال ما مضمونه : بينما كنّا ذات يوم من الأيام مع الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) في مسجد النبي (صلّى الله عليه وآله) بالمدينة وهو يعظنا ويرشدنا ويحذّرنا من النار ويرغّبنا بالجنة ، إذا بأعرابي قد أقبل نحو المسجد ، فأناخ راحلته على باب المسجد ودخل متّجهاً نحونا ، حتّى إذا وصل إلينا سلّم علينا وخصّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) بالتحية والسّلام ، وقبّل يده الكريمة ، ووقف بين يديه وكأنه يطلب إليه حاجة ، فقال له الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) برأفة وحنان : (( يا أخا العرب ، كأنّك جئتنا في حاجة ، فما هي حاجتك ؟ فإنّها منقضية إن شاء الله تعالى )).
فقال الأعرابي : يا أمير المؤمنين ، أنت أعلم بها منّي .
قال قنبر : عندها التفت إليّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وقال يا قنبر ، امض إلى المنزل وقل لمولاتك السيّدة زينب ابنة فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تناولك السّفط ( وعاء يوضع فيها العطور) الفلاني في موضع كذا وكذا
فقلت : سمعاً وطاعة ، وحبّاً وكرامة لله تعالى ولسيّدي ومولاي الإمام أمير المؤمنين .
قال قنبر : فقمت مسرعاً ومضيت إلى منزل أمير المؤمنين (عليه السّلام)، وطرقت الباب مرّتين ، وفي الثالثة جاءت فضة وراء الباب وقالت : مَنْ الطارق ؟
أجبتها قائلاً : أنا قنبر مولى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وخادم أهل البيت (عليهم السّلام) .
فقالت فضة : أهلاً ومرحباً بك ، وما حاجتك يا قنبر ؟
فأخبرتها بما قال لي سيّدي ومولاي وما يريده .
فقالت فضة : مكانك حتّى آتيك به . فوقفت بالباب انتظر مجيئها ، وإذا بي أسمع جلبة الفرح وصخب السرور يعلو من داخل المنزل ، فتعجّبت ، وانتظرت حتّى إذا رجعت إليّ فضة وأتتني بالسفط سألتها عن سبب ذلك ، فقالت فضة : لقد ولد الساعة للإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) غلام أزهر كأنّه فلقة قمر .
فقلتُ لها ، وقد امتلأت أنا الآخر فرحاً وسروراً : وممّن هذا المولود الأغر ؟
فقالت فضة : إنّه من اُمّ البنين فاطمة بنت حزام الوحيديّة الكلابيّة ، ثمّ أضافت قائلة : وقد أوصتني سيّدتي وسيّدتك السيّدة زينب ابنة فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن أقول لك : إذا رجعت إلى مولاي ومولاك الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فبشّره بولادة هذا المولود الأغر ، واسأله عن اسمه وكنيته ولقبه .
فقلت ، وأنا لا أمتلك نفسي بهجة وفرحاً : حبّاً وكرامة ، وسمعاً وطاعة ، ثمّ هنّأتها وودّعتها . وأقبلت بالسفط مع البشارة بالمولود الجديد مسرعاً إلى سيّدي ومولاي الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فلمّا سلّمته السفط وقفت بين يديه لأُبشّره بما عندي من خبر الولادة ، غير أنّي بقيت أترصّد الفرصة المناسبة لإعلان هذا الخبر وتقديم هذه البشارة السّارة ، حتّى إذا فرغ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) من حاجة الأعرابي وأعطاه ذلك السفط التفت إليّ وقال مبادراً : (( ما وراءك يا قنبر ، فإنّي أرى أثر البهجة والسرور طافحاً على أسارير وجهك ؟))
فقلت ، وقد رأيت الفرصة مناسبة : نعم يا سيّدي ومولاي ، لقد جئتك ببشارة .
فقال (عليه السّلام) : ( وما هي تلك البشارة يا قنبر ؟ بشّرك الله بالجنّة )) .
قلت : لقد وُلد لك يا سيّدي ومولاي غلام أغر .
فقال (عليه السّلام) : ( وممّنْ هذا المولود الجديد ) ؟
قلت : لقد سألت عن ذلك فضّة عندما أخرجت إليّ السفط ، فقالت : إنّه من اُمّ البنين فاطمة بنت حزام الوحيديّة الكلابيّة ، كما وأنها قالت لي : بأنّ سيّدتي السيّدة زينب (عليها السّلام) أوصتني أن اُبشّرك بهذا المولود عندما أرجع إليك وأن أسألك عن اسمه وكنيته ولقبه .
فلمّا سمع الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ذلك تهلّل وجهه فرحاً وسروراً وشكرني على هذه البشارة ، وقال : (( يا قنبر ، إنّ لهذا المولود شأناً كبيراً عند الله ومنزلة عظيمة لديه ، وأسماؤه وكناه وألقابه كثيرة ، وسأمضي أنا بنفسي إلى المنزل لإنجاز ما سنّه لنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) للمولود عند الولادة , وبعدها من سنن الإسلام ، فهيّا بنا إلى ذلك يا قنبر )) .

الولادة وسننــها

قام الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) من مجلسه ذلك وودّع أصحابه ومَنْ كان معه ، ثمّ خرج من مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) متّجهاً نحو البيت ، فلمّا دخل المنزل سلّم ـ على عادته ولاستحبابه ـ على مَنْ كان في المنزل من أهله واُسرته الذين كانوا بانتظار قدومه ، وحيّاهم بتحيّة الإسلام ثمّ قال (( ائتوني بولدي)).
فقوبل (عليه السّلام) بالتحية والبشارة ، ثمّ جيء بولده إليه ملفوفاً في خرقة بيضاء ومقمّطاً بها ، فأخذه وضمّه إلى صدره ، ونثر قبلاته الحارّة على وجهه وخدّيه ، ثمّ أذّن في أُذنه اليمنى وأقام في اليسرى ، وبعدها أخذ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) يطيل النظر إليه .
وهنا تمطّى المولود الجديد لاُمّ البنين في قماطه حتّى قطعه ، وأخرج كلتا يديه من القماط ؛ ممّا أثار بذلك ذكريات الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) التي كانت في ذاكرته ممّا نزل بها جبرائيل في حقّ هذا الوليد الجديد من عند الله تبارك وتعالى على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأخبره بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من كيفية شهادته في نصرة الإمام الحسين (عليه السّلام) في طفّ كربلاء .
عندها اغرورقت عينا الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بالدموع ، وتناثرت قطرات الدمع على خدّيه كالدرر ورطّبت كريمته الشريفة ، فنظرت إليه إحدى النسوة وقالت : ما يبكيك يا أبا الحسن ونحن في هذه الساعة من فرح وسرور ، وابتهاج وحبور ؟!
فالتفت إليها أمير المؤمنين (عليه السّلام) وهو يكفكف دموعه بيديه الكريمتين وقال لها ما مضمونه (( لا تلوموني ، فإنّي لمّا نظرت إلى هاتين اليدين وتمطّيه في القماط تذكّرت تمطّيه على جواده في كربلاء ، وانفصال يديه عن جسمه يوم عاشوراء )) . ثمّ أخذ يبكي ويكثر من قوله (عليه السّلام) : (ما لي وليزيد ) .

تاريخ ولادة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام)

لا يخفى أنّ ولادة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ـ على المشهور وذلك حسب بعض الكتب التاريخية ـ كانت في المدينة المنورة ، وبتاريخ اليوم الرابع من شهر شعبان المعظّم سنة ست وعشرين هجرية (على هاجرها آلاف التحية والسّلام) .
وعلى هذا فإنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) قمر بني هاشم تلا في ولادته ولادة أخيه شمس الكونين الإمام أبي عبد الله الحسين من حيث اليوم والشهر بيوم واحد وفي نفس الشهر ، ومن حيث السنين والأعوام بثلاث وعشرين سنة وكان ـ على ذلك ـ له من العمر حين استشهد أربعة وثلاثون عاماً

تسمية الوليد الجديد

إنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) كما كان هو أوّل مَنْ آمن برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فكذلك كان هو أوّل مَنْ سار بسيرته واتّبع طريقته ؛ ولذلك لم يكن ليتعدّ عن نهج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في سنن الولادة ومستحباتها ؛ فإنّه (عليه السّلام) لمّا أجرى المستحبات المأثورة على مولوده الجديد التفتت إليه ـ على ما قيل ـ ابنته عقيلة بني هاشم ، وربيبة الوحي والعصمة السيّدة زينب الكبرى (عليها السّلام) وقالت له : يا أبه ، هل اخترت لهذا المولود اسماً ، وانتخبت له كنية ولقباً ؟
فأجابها أبوها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بعطف وإقبال : (( نعم يا بُنيّة ، لقد اخترت له كلّ ذلك)) .
فقالت (عليها السّلام) بلهفة وتعطّش : وما هي ؟
فقال (عليه السّلام) : أمّا الاسم ، فاسمه العبّاس ؛ وأمّا الكنية ، فكنيته أبو الفضل ؛ وأمّا اللقب ، فلقبه قمر بني هاشم ، وقمر العشيرة ، والسقّاء.
فأعجب السيّدة زينب ذلك وقالت متفائلة : يا أبه ، أمّا أنّ اسمه عبّاس فعلامة البسالة والشجاعة ؛ وأمّا كنيته أبو الفضل ففيها علامة الشهامة والنبالة ؛ وأمّا لقبه قمر بني هاشم وقمر العشيرة فهو علامة الجمال والكمال والهيبة والجلال ، ولكن يا أبه ، ما معنى أنّه السقّاء ؟
فالتفت إليها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وبعد أن توسّم في الوليد الجديد شريط المستقبل ، وتصفّح في ملامح وجهه سجلّ الواقع القريب ، وقال وهو (عليه السّلام) يستعرض على ابنته بعض ما في ذلك السجلّ من أنباء وأخبار ، ويحدّثها عن بعض ما فيه من حوادث وملاحم ، وذلك بزفرات متواصلة ، ونبرات متقطّعة
وخافتة (يا بُنيّة ، إنّه ساقي عطاشى كربلاء )

وما أن سمعت السيّدة زينب (عليها السّلام) من أبيها هذا الجواب ، ورأته مختنقاً بعبرته إلاّ وانخطف لونها , وانصدع قلبها ، وأجهشت بالبكاء ، فلقد ذكّرها أبوها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بما حدّثته به اُمّ أيمن عن جدّها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من قصة كربلاء وفاجعتها الأليمة ، فلم تتمالك نفسها .
عندها رقّ لها أبوها أمير المؤمنين (عليه السّلام) فعطف عليها ، وأخذ يسلّيها ويخفّف عنها وطأة الخبر المفجع ، ووقعة النبأ العظيم نبأ كربلاء وسقاية العطاشى ، قائلاً ( بنية زينب ، تجلّدي واصبري ، وكفكفي دموعك ، وخذي أخاك إلى اُمّه ؛ فإنّ له معك لموقف مشرّف ، وشأن عظيم).
وهنا سكنت السيّدة زينب (عليها السّلام) من بكائها وهدأت من فورتها ، وكفكفت دموعها ، ثمّ تناولت أخاها الوليد من يدي أبيها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وأخذت تنثر على وجهه لثماتها الحارّة وقبلاتها الساخنة ، وأقبلت به إلى اُمّه اُمّ البنين التي بقيت بانتظارها .
نعم ، كانت اُمّ البنين تنتظر السيّدة زينب (عليها السّلام) بفارغ الصبر ؛ لتطّلع عبرها على اسم وليدها الجديد وكنيته ولقبه ؛ لذلك لمّا رأتها مقبلة به استقبلتها بنظراتها الحانية ، وقالت متسائلة : وهل انتخب مولاي الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) لولدنا اسماً ، واختار له كنية ولقباً ؟
فأجابتها السيّدة زينب (عليها السّلام) بانطلاق وحبور : نعم يا اُمّاه ، لقد انتخب له أحسنها وأجملها .
عندها قالت اُمّ البنين بلهفة واشتياق : تفضّلي يا سيّدتي عليّ ببيانها .
فقالت السيّدة زينب (عليها السّلام) : أمّا اسمه فهو عبّاس ؛ وأمّا كنيته فهي أبو الفضل ؛ وأمّا لقبه فهو قمر بني هاشم .
وما أن سمعت اُمّ البنين بلقب وليدها الجديد قمر بني هاشم الذي لقّبه به أبوه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) إلاّ وتذكّرت رؤياها التي رأتها قبل زواجها ؛ فتهلّل وجهها وانشرح صدرها ، وانطلق لسانها بالحمد والشكر على الله سبحانه وتعالى ، وأخذت تقول : الحمد لله الذي صدقني الرؤيا وحقّق لي وعده .
عندها سألتها السيّدة زينب (عليها السّلام) عن منامها وعن قصة رؤياها ، فقصّت عليها اُمّ البنين رؤياها التي كانت قد رأتها قبيل زواجها من الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وكيف انقضّ القمر من كبد السماء في حجرها .
فقالت السيّدة زينب (عليها السّلام) وهي تلثم أخاها الرضيع وتقبّله : نعم ، لقد صدقت رؤياك ، إنّ وليدك هذا قمر بني هاشم ، وهو أجلّ من القمر وأفضل ، إنّه قمر العشيرة أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) .

التسمية برواية اُخرى

وجاء في بعض الكتب المعتبرة أنّ اُمّ البنين يوم وضعت حملها ، وولدت أوّل أشبالها قمّطته بقماط أبيض ، وقدّمته إلى أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ليجري عليه سنن الولادة من التسمية وغير ذلك ، فلمّا أخذه أمير المؤمنين (عليه السّلام) قرّبه إلى فمه ومسح على عينيه وفمه بلسانه الشريف ـ ولعلّه حتّى يكون ممّن يرى الحقّ ويسمع الحقّ وينطق بالحقّ ـ ثمّ أذّن في أُذنه اليمنى وأقام في اليسرى ، ثمّ التفت إلى زوجته الوفيّة اُمّ البنين ومَنْ حولها وقال (ما سمّيتموه ؟).
فأجابته اُمّ البنين بتأدّب واحترام قائلة : وما كنّا لنسبقك في شيء يا أمير المؤمنين .
فشكر الإمام أمير المؤمنين شعورها الطيّب ووفائها الجميل ، ثمّ قال : إنّي سمّيته باسم عمّي العبّاس عباساً ثمّ ضمّه إلى صدره ، وأخذ بيديه الصغيرتين ورفعهما إلى فمه ولثمهما بقبلاته الساخنة ، واستعبر باكياً وهو يقول : كأنّي بيديه هاتين تقطعان يوم الطفّ عند مشرعة الفرات في نصرة أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام ) . فاستعبرت اُمّه ومَنْ كان معها ، وفوّضت أمره وأمرها إلى الله تعالى .
لا يخفى أنّ من قصّة تقبيل الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) يدي ولده الرضيع أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) يعلم ـ بالإضافة إلى ما فيه من بيان عظمة مقام الوليد وشرف منزلته عند الله تعالى ـ أنّ تقبيل الإنسان يدي أولاده من باب المحبّة لهم والشفقة عليهم جائز ، كما كان يفعل ذلك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من باب المحبّة ، ومن باب التعظيم والتشريف ، وبيان المقام والمنزلة مع ابنته فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين (عليها السّلام) ؛ حيث كان يقبّل يديها ، ويقوم لها من مقامه ويجلسها في مجلسه .
قيل : إنّه لمّا مضت أيام على ولادة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) جاءت السيّدة زينب (عليها السّلام) إلى أبيها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) يوماً وهي تحمل أخاها العبّاس (عليه السّلام) ، وقد ضمّته إلى صدرها ، وقالت له : أبه يا أمير المؤمنين ، ما لي أرى قلبي متعلّقاً بهذا الوليد أشدّ التعلّق ، ونفسي منشدّة إليه أكبر الانشداد ؟
فأجابها أبوها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بلطف وحنان قائلاً : وكيف لا تكونين يا أبه كذلك وهو كفيلك وحاميك ؟.
فقالت السيّدة زينب (عليها السّلام) بتعجّب : إنّه كفيلي وحاميني ؟!
فأجابها (عليه السّلام) بعطف وشفقة : نعم يا بُنيّة ، ولكن ستفارقينه ويفارقك.
فقالت السيّدة زينب (عليها السّلام) باستغراب : يا أبتاه ، أيتركني هو أم أتركه أنا ؟
فقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وهو يجيبها بلهفة ولوعة : بل تتركينه يا بُنيّة وهو صريع على رمضاء كربلاء ، مقطوع اليدين من الزندين ، مفضوخ الهامة بعمد الحديد ، ضامٍ إلى جنب الفرات .
فلم تتمالك السيّدة زينب (عليها السّلام) لمّا سمعت ذلك حتّى أعولت وصاحت : وا أخاه ! وا عبّاساه !
نشـأته (عليه السّلام)
ارتضع أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) من اُمّ وفيّة ، ووالدة كريمة منتمية إلى بيت كريم ، وأسرة نجيبة ، وذات عراقة وأصالة ، ومجد وسؤدد ، ألا وهي ـ كما عرفت ـ فاطمة بنت حزام الوحيديّة الكلابيّة المكنّاة بـ (اُمّ البنين) (عليها السّلام) ، وتربّى في أحضانها ، وتروّى من إيمانها وولائها ، وعلمها ومعرفتها ؛ حيث إنّها كانت من الفاضلات العالمات .
كما وترعرع في حجر والد كريم وسيّد عظيم ، نفس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ووصيّه ، وخليفته من بعده ، وارث علم النبيِّين وسيّد الوصيِّين، وقائد الغرّ المحجّلين إلى جنات النعيم ، الإمام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السّلام.
لقد كان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ملازماً لأبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) أيام إقامته في المدينة المنورة ، ثمّ هاجر معه (عليه السّلام) إلى العراق وأقام معه في الكوفة ، وهو في كلّ ذلك تحت عنايته الشفيقة ، ورعايته التربوية الحكيمة ، فاكتسب من هذين الأبوين الكريمين كلّ مكرمة وفضيلة ، وورث منهما بالتربية والوراثة المكارم والأخلاق الحميدة ، والعلم الجمّ والمعارف الإلهية النبيلة .

العباس نسخة طبق الأصل عن الأئمة

لقد امتازت نشأة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) عن غيره من أولاد الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بأنّه اختصّ من بينهم بصحبة والده وأخويه السّبطين ، بل وابن أخيه الإمام زين العادين (عليه السّلام) أيضاً ، وملازمته لهم والتلمذة عندهم ، والتروّي من معين علمهم ، وزاكي أخلاقهم ، ولذلك جاء نسخة طبق الأصل من حيث الفضائل والمكارم والعلم والمعارف ، حتّى قال الشاعر في حقّه وهو يصف مناقبه وفضائله

العبّاس (عليه السّلام) مجمع الجمال والكمال

إنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) قد حوى من المكارم والمحاسن، ومن الأخلاق والآداب ما لا يمكن قصرها في مجال ، ولا حصرها في مقال ؛ ولذلك جاءت ألقابه الدالّة على بعض من تلك المكارم والمحاسن ، والمشيرة إلى نماذج من تلك الآداب والفضائل ، عديدة وكثيرة ، ورفيعة ومنيعة ، نذكرها أوّلاً سرداً بحسب ترتيب اشتهارها لدى الناس ، ثمّ نشرح ما تيسّر لنا منها إن شاء الله تعالى فيما يأتي ، وهي كالتالي :

باب الحسين (عليه السّلام)
باب الحوائج .
السقّاء .
ساقي عطاشى كربلاء .
قمر بني هاشم .
قمر العشيرة .
حامل اللواء .
بطل العلقمي .
كبش الكتيبة .
حامي الظعينة .
سبع القنطرة .
الضيغم .
العبد الصالح .
المواسي .
الحامي والمحامي .
ظهر الولاية .
قائد الجيش .

إنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) قد احتذى حذو أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) في إيمانه وأخلاقه ، حيث كان من شدّة إيمان الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وكرم أخلاقه أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) كان يعدّه لكلّ عظيمة ، ويدعوه عند كلّ نازلة وملمّة .
وكان هو (عليه السّلام) قد وقف نفسه على خدمة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وحمايته والذبّ عنه ، حتّى اشتهر عنه قوله (عليه السّلام) أنا عبدٌ من عبيد محمّد (صلّى الله عليه وآله) وحتّى قال فيه تعالى وهو يصف موقفه ليلة المبيت حين نام على فراش رسول الله (صلّى الله عليه وآله) موقياً له بنفسه : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) . وغيرها من المواقف الاُخرى حتّى قال فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله ( أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمَنْ أراد المدينة فليأت الباب).

فكان (عليه السّلام) باباً للنبي (صلّى الله عليه وآله) ، ومصاحباً له في حلّه وترحاله ، وحضره وسفره ، وسلمه وحربه ، وواقياً له بنفسه وروحه ، وماله وولده ، وقد عرف بذلك حتّى أنّه صار مَنْ يريد الزلفى عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يتقرّب بالإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) إليه .
ومَنْ يريد الحظوة لدى النبي (صلّى الله عليه وآله) يوسّط الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) لديه ، ومَنْ أراد أن يقضي الله حاجته جعله بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الوسيلة إلى الله تعالى في قضاء حوائجه .

وكذلك كان ولده أبو الفضل العبّاس ابن أمير المؤمنين (عليه السّلام) باباً لأخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ حيث كان من شدّة إيمان العبّاس (عليه السّلام) ونُبل أخلاقه أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) كان يعدّه لكلّ عظيمة ، ويدعوه عند كلّ نازلة وملمّة .
وكان هو (عليه السّلام) قد وقف نفسه لخدمة أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وحمايته والدفع عنه حتّى اشتهر قوله في مخاطبته له : سيّدي ومولاي .
ولم يعرف عنه أنّه خاطبه يوماً وذات مرّة بقوله : يا أخي ، إلاّ في يومٍ واحد وذات مرّة واحدة فقط وهي في يوم عاشوراء ؛ وذلك حين هوى من على ظهر جواده إلى الأرض ، وهي ساعة حرجة يحنّ فيها الإنسان إلى أقرب ذويه وأخصّ خاصّته ، ولحظة يتلهّف الإنسان فيها إلى أن يتصفّح وجوه كلّ أقربائه وجميع حامته ؛ وذلك لأنّه يريد أن يلقي فيها بنظراته الأخيرة على وجوههم ، ويتصفّح ولآخر مرّة للوداع مُحيّاهم ، ويحبّ أن يرى في النهاية رأسه في حجرهم ، وجسمه بين جموعهم وحضورهم .
في هذه الساعة بالذات ، وفي تلك اللحظة الحسّاسة نفسها سمح أبو الفضل لنفسه أن ينادي أخاه بقوله : يا أخاه ! أدرك أخاك

اقتداء العبّاس (عليه السّلام) بأبيه

نعم ، إنّ أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) اقتدى بأبيه في الكرم والجود ، فصار باباً لأخيه وسيّده الإمام الحسين (عليه السّلام) ، كما كان أبوه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) باباً لأخيه وابن عمّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
بل إنّ العبّاس (عليه السّلام) أصبح بمؤهّلاته الخلقية وكفاءاته الإنسانية العالية باباً لولاية الأئمّة من أهل البيت (عليهم السّلام) ، بحيث لا يمكن لأحد أن يرد إلى مدينة حبّهم وحصن ولايتهم إلاّ عن باب محبّة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) وولايته ؛ وذلك كما كان أبوه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) باباً لنبوّة ابن عمّه رسول
الله (صلّى الله عليه وآله) ورسالته ، بحيث لا يمكن لأحد أن يدخل مدينة علم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وحصن معارفه ، ويكون من الموقنين بنبوّته (صلّى الله عليه وآله) ومن المؤمنين برسالته إلاّ من باب ولاية الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وقبول ولايته وخلافته (عليه السّلام) ؛ وذلك حسب ما اشتهر من قوله (عليه السّلام) علي باب علمي ، ومبيّن لاُمّتي ما أرسلت به من بعدي . وقوله صلّى الله عليه وآله علي وعاء علمي ووصيّي ، وبابي الذي اُوتى منه .
العباس السقاء

اقتداء بأبي الفضل

جاء في كتاب كامل الزيارات مسنداً عن داود الرقي قال : كنت عند أبي عبد الله (عليه السّلام) إذ استسقى الماء ، فلمّا شربه رأيته قد استعبر واغرورقت عيناه
بدموعه ، ثمّ قال لي : يا داود ، لعن الله قاتل الحسين ! فما من عبدٍ شرب الماء فذكر الحسين (عليه السّلام) ولعن قاتله إلاّ كتب الله له مئة ألف حسنة، وحطّ عنه مئة ألف سيّئة ، ورفع له مئة ألف درجة ، وكأنّما أعتق مئة ألف نسمة ، وحشره الله يوم القيامة ثلج الفؤاد.
وفي الخبر أيضاً ما مضمونه : إنّ مَنْ كان في يوم عاشوراء عند مرقد الإمام الحسين (عليه السّلام) وسقى الناس العطاشى ماءً كان كمَنْ سقى أصحاب الإمام الحسين (عليه السّلام) في يوم عاشوراء ، وكان كمَنْ حضر كربلاء لنصرة الإمام الحسين (عليه السّلام) في ذلك اليوم .

موقف الإمام الحسين (عليه السّلام) من أخيه

الموقف الرشيد الذي صدر من الإمام الحسين (عليه السّلام) في لحظات استشهاده حيث لم يصل صوت أخيه المواسي إلى مسامعه الكريمة إلاّ ولبّى نداء أخيه ، وأسرع إليه كالصقر المنقضّ ، ونزل عنده وجعل رأسه في حجره ، وأخذ يمسح الدم والتراب من على عينيه ، ويناشده عمّا يشتكي منه ويؤلمه ، ويناجيه بتوجّع وتألّم مشاركاً له آلامه ، ومشاطراً إيّاه همومه وغمومه .
ففتح على إثر ذلك أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) عينه في وجه أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وألقى بنظرته الأخيرة عليه ، وودّع أخاه وإمامه ببسمة ارتسمت على شفتيه تحكي كلّ معاني الإخلاص والمحبّة ، وتفصح عن آيات الولاء والأخوّة .
فما كان من الإمام الحسين (عليه السّلام) إلاّ أن ردّ على أخيه الوفي جواب سلامه وتحيّاته ، ولكن لا بنبرات صوته وجهير كلامه وإنّما بزفراته وعبراته ، وأنينه وحنينه ، وقطرات دموعه وحرارة آهاته ، ممّا ألهب بها مُحيّا أخيه وأبرد به فؤاده وصدره ، حتّى إذا أحسّ بها العبّاس (عليه السّلام) لفظ أنفاسه الأخيرة في حجر إمامه العظيم ، وأحضان سيّده الكريم قرير العين ثلج الفؤاد .

الأهداف من ترك العبّاس (عليه السّلام) في مكانه

كان من دأب الإمام الحسين (عليه السّلام) وهو دأب كلّ قائد رؤوف وإمام عطوف أن يحمل جثث أنصاره ، وأجساد قتلاه الذين استشهدوا في المعركة معه إلى فسطاط أعدّه للشهداء قرب معسكره ومخيّمه ، فكان يضع بعضهم مع بعض ، وهو يقول كما عن غيبة النعماني : (( قَتْلة مثل قتلة النبيِّين وآل النبيِّين ))
لكن لمّا وقف الإمام الحسين (عليه السّلام) هذه المرّة على جسد أخيه الوفي أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ورآه بتلك الحالة بكى حوله ساعة، وانصرف ولم يحمله إلى الفسطاط ، بل ترك جسد أخيه الشهيد في مكانه ، وغادر جثّته موذّرةً ومقطّعة في محلّ شهادته ومصرعه ؛ وذلك إمّا نزولاً إلى رغبته وتلبية لطلبه (عليه السّلام) ؛ حيث إنّه ـ على ما روي ـ طلب من أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) مُقسماً عليه بجدّه (صلّى الله عليه وآله) أن يتركه مكانه ما دام به رمق ، وأن لا يحمله إلى فسطاط الشهداء ؛ لأنّه قد وعد سكينة بالماء وهو يستحي منها .

ولأنّه أشفق على أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) فأراد أن يعفيه من عناء حمله ومشقّة نقله إلى الفسطاط ؛ ولأنّه أراد بذلك الحفاظ على عواطف النساء والأطفال ، وأراد أن يخفي عنهم خبر شهادته المفزعة لهم ولو إلى لحظات ، وأن يحجب جسمه الموذّر المفجع لهم عن أنظارهم ولو بضع ساعات .
ولأنّ الأعداء كانوا قد قطعوا جسمه الشريف إرباً إرباً بحيث لم يمكن حمله ـ حسب الظاهر ـ إلى الخيام ولا نقله إلى الفسطاط ؛ ولأنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) ترك أخاه العبّاس (عليه السّلام) في مكانه ولم يحمله إلى الفسطاط إشارة منه إلى أنّ أخاه يستحق التعظيم والتبجيل باتّخاذ مرقد منفرد له ، ونصب شبّاك مجلّل على قبره
، ورفع بنيان شامخ حول ضريحه ، وتشييد روضة مباركة أطراف مرقده ؛ وذلك تقديراً منه لوفائه، وشكراً منه على مواقفه الرشيدة تجاه إمامه .
وليكون بعد شهادته ـ كما كان أيام حياته ـ (باباً للإمام الحسين (عليه السّلام ؛ فيقصده الزائرون ، ويؤمّه الموالون والمحبّون ، ويحجّ إليه أرباب المسائل والحوائج وأصحاب الضرّ والفاقة ، والفقر والمسكنة أوّلاً ، ويشفّعونه عند أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ويوسّطونه في حوائجهم إليه ، ثمّ يقصدون روضة الإمام الحسين (عليه السّلام) للزيارة والاستشفاع به إلى الله تعالى في قضاء حوائجهم وبلوغ أمانيهم وآمالهم ثانياً .

مرقد منفرد وحرم خاص

ولعلّ الأمر الأخير كان هو الهدف من وراء ترك الإمام الحسين (عليه السّلام) أخاه العبّاس (عليه السّلام) في مكانه ، وعدم حمله إلى الفسطاط ، كما عليه المحقّقون من كبار العلماء والفقهاء ويؤيّده أنّه لمّا جاء الإمام زين العابدين (عليه السّلام) في اليوم الثالث من شهادة أبيه الإمام الحسين (عليه السّلام) إلى كربلاء ، وذلك بطريق المعجزة ، وأراد دفن الشهداء السّعداء ومواراة أجسادهم الطاهرة ، التفت إلى بني أسد بعد أن وارى بنفسه جسد أبيه الطاهر ، ووارى بمعاونة بني أسد أجساد الشهداء الأبرار وقال (( انظروا هل بقي من أحد ؟)) .
قالوا : نعم ، بقي بطل مطروح حول المسنّاة وهو موذّر ومقطّع إرباً إرباً ، وإنّا كلّما حملنا جانباً منه سقط الآخر !
فقال (عليه السّلام) : (امضوا بنا إليه )
فمضوا جميعاً إليه ، فلمّا رآه انكبّ عليه يلثم نحره الشريف ، وهو يقول : على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم ، وعليك منّي السّلام من شهيد محتسب ورحمة الله وبركاته

ثمّ شقّ له ضريحاً وأنزله وحده كما فعل بأبيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وقال لبني أسد ( إنّ معي مَنْ يعينني )
وعليه فإنّ الإمام زين العابدين (عليه السّلام) مع إمكانه ولو بطريق المعجزة ، وتعاون مع بني أسد أن ينقل الجسد الطاهر إلى الحائر الشريف لكنه (عليه السّلام) مع ذلك لم ينقل جسد عمّه أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) عن مكانه ، ولم يحمله إلى بقعة أبيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ولا إلى روضة الشهداء من أهل بيته وأصحابه ، وإنّما حفر له حيث مرقده الآن مرقداً ، وشقّ له ضريحاً وواراه فيه ؛ ليكون قبره الشريف ومرقده المنيف محطّاً ومزاراً ، وملاذاً ومعاذاً ، وباباً للذين يفدون لزيارة الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وبوّاباً للذين يقصدونه بحوائجهم وآمالهم .
وهكذا كان ، فإنّ الوافدين والزائرين وكذلك هيئات المعزّين والمسلّين ، ومواكب العزاء كموكب السلاسل والتّطبير ، واللطم والتشبيه وغيرهم من الآمّين إلى كربلاء المقدّسة من ذلك الزمان وحتّى يومنا هذا يقصدون أوّلاً مشهد أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ويأمّون روضته المباركة ، ويوسّطونه لحوائجهم عند أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ثمّ بعد ذلك يقصدون مشهد الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ويتشرّفون بزيارته ويتبرّكون بحرمه وروضته ثانياً وأخيراً .

التوسل به

من الختومات المجرّبة لتسهيل الحوائج وقضائها ، وإنجاحها وإمضائها هو مخاطبة العبّاس (عليه السّلام) بعدد حروف اسمه ( 133 ) بما يلي : يا كاشف الكرب عن وجه أخيه الحسين (عليه السّلام) , اكشف كربي بحقّ أخيك الحسين (عليه السّلام) .
إغاثة العبّاس (عليه السّلام) المستغيثين به
نقل عن أحد المراجع العظام نقلاً عن بعض العلماء المقيمين في قم المقدّسة أنّه قال : عرضت لي مشكلة فتوسّلت بإمام العصر الحجة بن الحسن العسكري (عليه السّلام) إلى الله تعالى في حلّها ، وكنت أذهب في ذلك إلى مسجد جمكران المعروف في قم المقدّسة .
مضت على ذلك مدّة من الزمان ولم أرَ أثراً من الإجابة ، فانكسر قلبي ذات مرّة وأنا في الصلاة المستحبة التي تُصلّى في مسجد جمكران ، وأخذت أُخاطب سيّدي ومولاي الإمام الحجة (عليه السّلام) وأقول : سيّدي ومولاي ، لقد توسّلت بك إلى الله تعالى في حلّ مشكلتي وقضاء حاجتي فلم أرَ أثراً للإجابة ، فهل يسوغ لي أن أتوسّل بغيرك وأنت إمامي ، ومَنْ له حق الطاعة عليّ في عنقي ؟!
ثمّ قلت : فإنّي لا أسمح لنفسي أن أتوسّل إلى الله سبحانه وتعالى بأحد سواك حتّى لو كان وجيهاً عند الله مثل باب الحوائج أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) .
ثمّ قال : وهنا غلبني الحزن والبكاء وانكسار القلب والخاطر ، وبينما أنا كذلك إذ سمعت مَنْ يقول لي : لا بأس عليك بالتوسّل إلى الله تعالى بعمّنا أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) ،

ونحن ندلّك على ما تقوله عند التوسّل إلى الله تعالى به ، فإذا كانت لك حاجة فتوسّل به إلى الله تعالى بهذه العبارة وقل : يا أبا الغوث أغثني .
رحمة الله وبركاته وتحياته عليك يا أبا الفضل والسلام عليك يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حياً مع إمام منصور من أهل بيت محمد

اللهم صلّ على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسرّ المستودع فيها

اللهم صلّ على محمد وآل محمد وعجّل فرجهم واهلك أعداءهم


التوقيع :
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
رد مع اقتباس
قديم 26-01-2015, 08:42 AM   رقم المشاركة : 2
الكاتب

* || نور على نور ||*


الملف الشخصي









* || نور على نور ||* غير متواجد حالياً


افتراضي

سلام الله ع قمر بني هاشم
احسنتِ اختاه
وفقكِ الرب


رد مع اقتباس
قديم 11-02-2015, 09:26 AM   رقم المشاركة : 3
الكاتب

احزان كربلاء


الملف الشخصي









احزان كربلاء غير متواجد حالياً


افتراضي

جزاك الله خير جزاء المحسنين


رد مع اقتباس
قديم 11-02-2015, 01:15 PM   رقم المشاركة : 4
الكاتب

محـب الحسين

الصورة الرمزية محـب الحسين


الملف الشخصي









محـب الحسين غير متواجد حالياً


افتراضي

سلام الله على مولانا أبي الفضل العباس
بوركتِ اختي الفاضله
جزاكِ الله أحسن الجزاء


التوقيع :
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
لبي, السلام, العباس, الفضل, شجرة, عليه

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حصرياً: شذرات من سيرة أبو الفضل العباس عليه السلام أبو حيدر11 منتدى أبو الفضل العباس (سلام الله عليه) 7 26-06-2013 01:38 AM
شذرات من سيرة أبو الفضل العباس عليه السلام ناصرة ام البنين منتدى أبو الفضل العباس (سلام الله عليه) 6 26-06-2013 01:23 AM
أبو الفضل العباس (عليه السلام) عاشق ابي عبد الله منتدى أهل البيت (عليهم السلام) 3 07-10-2010 11:48 AM
أبو الفضل العباس (عليه السلام) عاشق ابي عبد الله منتدى أهل البيت (عليهم السلام) 2 18-09-2010 02:57 AM
ابو الفضل العباس عليه السلام ابن الشاعر منتدى شعراء أحباب الحسين 34 22-06-2010 05:13 PM


الساعة الآن 03:06 PM