العودة   منتديات احباب الحسين عليه السلام > القسم الاسلامي > منتدى أهل البيت (عليهم السلام)

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 10-09-2017, 05:20 PM   رقم المشاركة : 1
الكاتب

الشيخ عباس محمد


الملف الشخصي









الشيخ عباس محمد غير متواجد حالياً


افتراضي احياء امر اهل البيت ع / اسئلة واجوبة

احياء امر اهل البيت ع واقامة الشعائر / اسئلة واجوبة


اسئلة
لماذا نقيم العزاء على الإمام الحسين(عليه السلام)؟
الجواب:

إنّ المثل العليا والقيم السامية التي جسّدها الإمام الحسين(عليه السلام) في الطفّ، جعلت السائرين على نهجه والمرتبطين به يحيون ذكراه، وينشرون مآثره، باعتبارها خير أُسوة يتأسّى بها الناس.
فإحياء الذكريات التي تمثّل منعطفاً بارزاً، وتحوّلاً نوعياً في حياة الأُمم، أمر طبيعي وغير مستهجن؛ لأنّه نابع من ذات الإنسان، ومتّصل بفطرته، كما أنّ الأيّام تعتبر مزدهرة وخالدة، ومتّصفة بالتميّز لوقوع الحوادث العظيمة فيها.
وأيّ حادثة أعظم من واقعة كربلاء؟!
لقد بقيت هذه الواقعة معلماً شاخصاً في التاريخ؛ لما جرى فيها من فجائع من جهة، ولما رسمت فيها من صور مشرّفة من جهة أُخرى.
فالشيعة يقيمون هذه المآتم، ويحيون هذه الذكرى الأليمة من هذا المنطلق، ومن منطلقات عديدة أُخرى، منها:
أولاً: امتثال أمر الله تعالى، القاضي بمودّة العترة الطاهرة؛ إذ قال تعالى: (( قُل لاَّ أَسأَلُكُم عَلَيهِ أَجراً إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُربَى )) (الشورى:23)، ومواساة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بهذا المصاب الجلل من أظهر مصاديق المودّة، فرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بكى على الإمام الحسين(عليه السلام)، وهو لم يزل في سنيّ الطفولة.
فقد ورد عن عائشة أنّها قالت: ثمّ خرج [رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)] إلى أصحابه، فيهم عليّ وأبو بكر، وعمر، وحذيفة، وعمّار، وأبو ذر(رضي الله عنهم)، وهو يبكي، فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله؟!
فقال: (أخبرني جبريل، أنّ ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطفّ، وجاءني بهذه التربة، وأخبرني أنّ فيها مضجعه)(1).
ثانياً: نحن نقيم هذه الشعائر لأنّ فيها نصرةً للحقّ وإحياءً له، وخذلاناً للباطل وإماتةً له، وهذا الأمر من أجله أوجب الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثالثاً: إنّ إحياءنا لهذه الذكرى، حفظ لها من الضياع، وصون لمبادئها من التزييف، ولولا ذلك لاضمحلّت، وخَبَت جذوتها، ولأنكرها المخالفون، كما حاولوا إنكار غيرها!!
رابعاً: بإقامتنا لهذه الشعائر - لاسيّما المجالس الحسينية - نكشف عن منهج مدرستنا، هذه المدرسة الجامعة لمختلف الطبقات والفئات، إذ يعرض فيها التفسير والتاريخ، والفقه والأدب، و... فهي مؤتمرات دينية، تُطرح فيها مختلف المعارف والعلوم.
خامساً: إنّ إحياءنا لهذه الشعائر، هو أفضل وأبسط وأنجح وسيلة لنشر الإسلام الأصيل؛ لأنّها حيّة وغير معقّدة، ولذلك كانت ولا زالت أشدّ تأثيراً في النفوس!
فالإحياء والمشاركة والتنمية لشعائر الحسين(عليه السلام) إحياء لذكر رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لأنّه قال: (حسين منّي وأنا من حسين)(2) فهما(عليهما السلام) من سنخ واحد، وإحياء ذكرى النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إحياء للدين، باعتباره الرمز الأوّل للإسلام.
وهناك أسباب كثيرة توجب علينا إقامة هذه الشعائر، فمن أرادها فليطلبها من مظانّها.

(1) مجمع الزوائد 9: 188كتاب المناقب مناقب الحسين بن عليّ، المعجم الكبير 3: 107 حديث (2814) ترجمة الإمام الحسين بن عليّ، كنز العمّال 12: 123 حديث (3429) كتاب الفضائل، فيض القدير 1: 266، ينابيع المودّة 3: 10 الباب (60).
(2) كامل الزيارات: 116 الباب (14)، مسند أحمد بن حنبل 4: 172 حديث يعلى بن مرّة الثقفي، سنن الترمذي 5: 324 حديث (3864) مناقب أبي محمّد الحسن بن عليّ، المستدرك على الصحيحين 3: 177 فضائل الحسين بن عليّ، المصنّف لابن أبي شيبة 7: 515 ما جاء في الحسين بن عليّ، صحيح ابن حبّان 15: 428 مناقب الحسن والحسين، المعجم الكبير 3: 33 و 2: 274 بقية أخبار الحسن بن عليّ.


تعليق على الجواب (1)
يشكل عليك المخالفون ويقولون: كلامك غير صحيح! لأنّ المذاهب الأربعة باقية منذ نحو ألف سنة، ولم تختلّ أو تذهب ريحها، مع العلم أنّ أتباعها لا يقيمون مجالس العزاء على أرواحهم.
الجواب:

نجيب بما يلي:
أولاً: إنّ المراجعة لأجوبتنا السابقة لهذا السؤال وفي الباب الذي ذكرته في سؤالك تؤكّد لك أنّنا لم نحصر الجواب بما أوردت عليه من شبهة، وإنّما كان هذا أحد نقاط الجواب العديدة.
ثانياً: نحن - حتى في النقطة التي أوردتها - لم نقل يذهب ريحها وينتهي وجودها، وإنّما العبارة بدقة: ((ولولا ذلك لاضمحلّت وخَبَت جذوتها))، وفرق واضح بين العبارتين!
ثالثاً: إنّ بقاء المذاهب الأُخرى، إنّما كان لأنّها مذاهب السلطة، فبها استمرت كما أنّ السلطة قامت بها.
رابعاً: نحبّ أن نطمأنك، حتى هذا المقدار من البقاء لها ما كان ليكون لولا وجود مذهب ثائر، متمرّد على الباطل، يحيي السنن الإسلامية الأصيلة، ويهتف بها، وبشتّى الأساليب، وإلاّ لزالت حتى المذاهب الأُخرى التي عاشت بضلال دفاعه عن الإسلام والمسلمين، ولَما احتاج إليها سلاطين ما يسمّى بالعصور الإسلامية الفائتة، وإنّما بقاءه، وبهذه القوّة، أوجب إبقاء سواه؛ لمعارضته وردّه، والاحتجاح عليه، وإيقاف مدّه على الأقل.
وإلاّ إذا كنت تقصد بقاء الأشياء لمجرّد البقاء، فهذا لا يعني المذاهب الأربعة فقط، وإنّما ينسحب حتى على مذاهب الضلال وأصحاب الديانات الصنمية والمشركة والمخالفة لتوحيد الله، والأمثلة كثيرة لا نعتقد أنّها تفوتك.
خامساً: ثمّ إنّ قولنا باختصار: إنّ المذهب الحقّ الذي يرفض الظلم والطغاة على مرّ العصور، وبالتالي يكون همّهم الأوّل والأهمّ هو القضاء عليه، ما كان ليبقى ويستمرّ ويحافظ على جذوته إلاّ بمثل هذه الشعائر، وإحياء أمر استشهاد الحسين(عليه السلام) في كربلاء. وهذا أمر لا ينطبق على بقية المذاهب، بل لا ينطبق على الملل الأُخرى أيضاً.

لسؤال: أسباب إقامة الشعائر (2)
ما هو سبب جلدكم أنفسكم في يوم عاشوراء، هل هذا اقتداء برسول الله، أم أنّه مبتدع من عند أنفسكم؟ وما هو سرّ سجودكم على الحجر الذي تحضرونه من الشام؟
هداكم الله وهدانا.
الجواب:

إنّ الشيعة بإقامتها العزاء في مأتم ريحانة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) تريد إحياء ذكر الرسالة التي خيف عليها من الضياع على يد بني أُميّة وأسلافهم وأخلافهم, وإنّ مظاهر العزاء، وإن كانت مختلفة بحسب الأزمنة والأمكنة ولكن تصبّ كلّها في مجرى واحد، وهو: السعي لبيان مظلوميّة أهل البيت(عليهم السلام) مهما أمكن, ممّا يؤدّي بالنتيجة إلى دعم الدين والعقيدة، وفضح المعادين لها، ولو كانوا في ثوب الإسلام..
وهل هذا شيء قليل؟!!!
و لو كنّا ننظر بعين الإنصاف في القضيّة, فلو لم تعقد هذه المآتم، ولم تقام هذه المراسم, فأيّ عمل كان يضمن بقاء الإسلام الصحيح، المتمثّل في أهل البيت(عليهم السلام)؟
أليس يخشى عليها - حينئذ - الضياع والنسيان؟
وأمّا بالنسبة لسؤالك الثاني, فلم نعهد من شيعي الالتزام بالسجود على حجر منسوب إلى الشام, بل إنّهم يرون السجود على الأرض - فقط - مجزياً في الصلاة، ورأيهم هذا مدعم حتّى بأحاديث أهل السنّة في صحاحهم ومسانيدهم.
نعم، وفي الوقت نفسه يقولون بأفضليّة السجود على التربة الحسينيّة - بروايات خاصّة صدرت عن أئمّتهم(عليهم السلام) - لما فيه من التنويه والإشارة إلى دور النهضة الحسينيّة في تشييد أركان الدين الحنيف، بل وفي إقامة الصلاة نفسها وسائر العبادات. وعلى أي حال فالتربة الحسينيّة جزء من الأرض، فلا ينبغي الإشكال والمناقشة في مشروعيّة السجود عليها.




السؤال: الشيعة تحيي ذكرياتهم(عليهم السلام)
من فضلكم أُريد أن أعرف: هل الشيعة يقيمون عزاءً في ذكرى موت كلّ واحد؟
الجواب:

إنّ الشيعة تحيي الذكريات، وتعتقد بأنّ في إحيائها الأجر والثواب، وأنّها من مصاديق تعظيم شعائر الله، فتحيي ذكريات الأعياد والأفراح، كيوم مولد الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والمبعث الشريف، ومواليد الأئمّة من أهل البيت(عليهم السلام)، كما تحيي الشيعة ذكريات الحزن، كيوم وفاة الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والأئمّة المعصومين(عليهم السلام).
والشيعة تؤكّد على إقامة مراسم العزاء على الميّت، وذلك بالحضور في تشييع جنازته إلى مثواه الأخير، وإقامة مجالس يقرأ فيها القرآن، ويهدى ثواب القراءة إلى الميّت، وكذلك الذهاب إلى القبر وقراءة القرآن عنده، وإهداؤها إلى صاحب القبر، وعمل الأعمال الصالحات، وإهداؤها إلى روح الميّت.



السؤال: هل يعظم الشيعة الشعائر الحسينية فقط

عندما أحدّث أصدقائي عن أهل البيت(عليهم السلام) وخاصّة في هذه الأيام عن الإمام الحسين(عليه السلام)، يقولون لي: إنّ الشيعة يكثرون من ذكر الحسين(عليه الصلاة والسلام) أكثر من رسول الله، وحسب فهمهم أنّ ذلك ينقص من درجة رسول الله(عليه الصلاة والسلام)، رغم محاولة اقناعي لهم لم يعترفوا.
أُريد من سيادتكم توضيح هذه الشبهة لكي أقنعهم.
الجواب:

هناك كثير من المناسبات ترتبط بالنبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والتي يجتمع لها شيعة أهل البيت لإحيائها، لكن إجتماعهم غالباً ما يكون عند نفس النبيّ، بنصّ القرآن، وهو: الإمام عليّ(عليه السلام)، كما في آية المباهلة، إذ يتم هناك في مدينة النجف الأشرف إحياء ذكرى وفاة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الثامن والعشرين من شهر صفر، ومولد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم السابع عشر من شهر ربيع الأوّل، ويوم المبعث وهو يوم السابع والعشرين من شهر رجب، ويوم الإسراء والمعراج، وغيرها من المناسبات، كالمباهلة، والغدير، والتي لها أيضاً ارتباط بالنبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والسبب في ذلك هو وجود مرقد النبيّ الأكرم في المدينة المنوّرة؛ فإنّه لا يسمح للشيعة هناك بإقامة المناسبات التي فيها تعظيم لشأن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
أمّا الإمام الحسين(عليه السلام) فهو في كربلاء فيستطيع شيعة أهل البيت أن يحيوا الشعائر الحسينية بحرية تامّة.
ولو تغيّر الوضع في المدينة لوجدت شيعة أهل البيت يحيون كلّ تلك المناسبات عند قبر الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولوجدت مدى تعظيمهم لمقام الرسول الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والدليل على ذلك: ما يتعرّضون له من مضايقات في أيام الحجّ عندما يتبرّكون بقبر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).

سؤال: اهتمام الشيعة بمراسيم عاشوراء أكثر من باقي المناسبات
لماذا نرى الشيعة يحيون ذكرى عاشوراء بكلّ هذا الزخم وكلّ هذه الحماسة، بينما لا نرى ذلك يحصل في مناسبات إسلامية عظيمة أُخرى، كوفاة الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والذي هو سيّد الخلق أجمعين؟
الجواب:

كما يلتزم الشيعة الأبرار بإحياء ذكرى عاشوراء، فإنّهم يلتزمون بإحياء ذكرى وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أيضاً، ولكن الفرق إنّما هو في مستوى الانفعال في المناسبتين.
ولا يمكن لأحد أن ينكر: أنّ ما جرى للإمام الحسين(عليه السلام) كان أشدّ إثارة للعاطفة، وأقوى تأثيراً على المشاعر من أيّة حادثة أُخرى، حتـّى حادثة استشهاد الرسول الكريم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)..
يضاف إلى ذلك: إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) نفسه قد بكى وأعلن الحزن على الإمام الحسين(عليه السلام)، حينما كان لا يزال وليداً وطفلاً.
ولنفترض أنّ المطلوب في مناسبة استشهاد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو: درجات أعلى من الحزن، وقد قصّر الشيعة في هذا الاتّجاه، فإنّ الواجب هو أن يطلب منهم رفع مستوى تلك المراسم، بحيث تتناسب مع ما ينبغي أن تكون عليه.. لا أن يطلب من الناس ترك عزاء الإمام الحسين(عليه السلام)، من أجل تقصيرهم في واجب آخر..
وهل هذا إلاّ نظير أن نطلب من تارك الصوم أن يترك الصلاة أيضاً، بدلاً من أن نطلب منه أن يؤدّي واجب الصلاة والصوم معاً؟!
وفّقنا الله تعالى للسير على هدي القرآن، والالتزام بأحكام الإسلام، وجعلنا ممّن ينتصر به لدينه، إنّه وليّ قدير.

السؤال: مصداق للتأسّي بالنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)
أنا طالبة في المرحلة الثانوية، موالية لأهل البيت(عليهم السلام)، وفي يوم عاشوراء نضطرّ للتغيّب عن المدرسة؛ لإحياء ذكرى الحسين(عليه السلام)، فنجد أنفسنا في اليوم التالي محاصرين بأسئلة، واتّهامات لا تُحصر، أُحاول أن أُجيب عليها قدر معلوماتي، ولكنّي أتمنّى أن تفيدوني بإجابات أكثر دقّة وصحّة، والأسئلة غالباً ما تكون محصورة في:
1- لماذا تهتمّون بذكرى الإمام الحسين(عليه السلام) أكثر من الرسول والأنبياء؟ فتتغيّبون عن الدوام في هذا اليوم بالذات؟
2- لماذا تحيون ذكرى الحسين(عليه السلام)؟ وتبكون عليه رغم مرور كثير من السنين على استشهاده؟
3- ما معنى اللطم على الصدر؟
الجواب:

نحن نبكي على الإمام الحسين(عليه السلام)، ونقيم المأتم عليه؛ لأنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بكى على الإمام الحسين(عليه السلام) قبل استشهاده، لمّا أخبره جبرائيل بما سيجري على الإمام الحسين(عليه السلام).
أيبكي رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل الفاجعة، ونحن لا نبكي بعدها؟!
ما هذا شأن المتأسّي بنبيّه، والمقتصّ لأثره!
إنّ ترك الحزن والبكاء على الحسين(عليه السلام) خروج عن قواعد المتأسّين، بل عدول عن سنن النبيّين؛ فإنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) استيقظ يوماً من النوم فزعاً، وفي يده تربة حمراء يقلبّها بيده، وعيناه تهراقان من الدموع، وقال لأُمّ سلمة: (أخبرني جبرائيل أنّ ابني الحسين يقتل بأرض العراق)(1).
ولمّا ترى أُمّ سلمة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقلّب شيئاً في كفّه، ودموعه تسيل، والحسين نائم على صدره، تسأله عن ذلك؟ فيقول(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّ جبريل أتاني بالتربة التي يقتل عليها، وأخبرني أنّ أُمّتي يقتلونه)(2).
وكذلك يستيقظ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو يبكي، فتقول له عائشة: ما يبكيك؟
فيقول: (إنّ جبريل أراني التربة التي يقتل عليها الحسين... فقال: يا عائشة والذي نفسي بيده، إنّه ليحزنني، فمن هذا من أُمّتي [الذي] يقتل حسيناً بعدي؟!)(3).
فنحن نهتمّ بالحسين(عليه السلام) لاهتمام النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) به، ونبكي عليه لبكاء النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عليه، ونحزن عليه لحزن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عليه.
وأمّا اللطم فإنّه من مظاهر الحزن والعزاء، وكلّ شيء يُعدّ عرفاً من مظاهر الحزن والعزاء على الحسين(عليه السلام) فإنّه يدخل تحت عمومات الحزن على الحسين(عليه السلام).

(1) ترجمة الإمام الحسين(عليه السلام) من طبقات ابن سعد: 44 حديث (268).
(2) المصنّف لابن أبي شيبة 8: 632 حديث (258) كتاب الفتن، مسند ابن راهويه 4: 131 ما يروي أهل الكوفة عن الشعبي، المعجم الكبير 3: 109 و 23: 328، كنز العمّال 13: 657 حديث (37668) كتاب الفضائل.
(3) ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر: 262 حديث (230)، تاريخ مدينة دمشق 14: 195 ترجمة الإمام الحسين، ترجمة الإمام الحسين(عليه السلام) من طبقات ابن سعد: 46 حديث (271).

لسؤال: كيفية تطور العزاء الحسيني
كيف كانت طريقة العزاء على الإمام الحسين(عليه السلام) منذ زمن الأئمّة(عليهم السلام)، من الإمام زين العابدين(عليه السلام) وإلى زماننا هذا؟ أي: كيف تطوّر العزاء الحسيني؟
الجواب:

إنّ تاريخ إقامة العزاء الحسيني بصورته البسيطة من البكاء والحِداد والنوح، قد يرجع - طبقاً لجملة من الروايات - إلى زمن آدم(عليه السلام)(1)، وأمّا في العصر الإسلامي فأوّل من بكى على الحسين(عليه السلام) جدّه رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ثمّ بعد استشهاده(عليه السلام) يقول التاريخ: إنّه بعد رحيل الجيش الأموي من كربلاء، إجتمع جمع من الناس وبكوا، وأقاموا مأتماً على الشهداء قبل دفنهم، حتّى إنّ الإمام زين العابدين(عليه السلام) حينما قدم إلى كربلاء في ذلك الحين، رآهم على تلك الحالة، ومن بعده استمرّت المراسم بين حين وآخر بأساليب متعدّدة من إقامة المجالس، وإنشاد الشعر والمراثي، إلى أن وصل دور الحكومات الشيعية - مثل الدولة الحمدانية والبويهية والفاطمية، وعلى الأخصّ الصفوية - فتحرّكت المواكب، والهيئات الشيعية، وبتأييد صريح، ودعم واضح من ملوكها وعلمائها لهذه المآتم والمجالس والمواكب.
وأمّا نوعية العزاء وتطوّره فهو في الواقع قد أخذ سبيله في التغيير والتطوّر في كلّ زمان ومكان، حسب ما يراه الشيعة طريقاً ووسيلةً لإحياء ذكر الإمام الحسين(عليه السلام)، وفقاً لما يراه علماؤهم من جوازه، وعدم منافاته للشرع.

(1) الخصال: 58 حديث (79) باب الاثنين، كمال الدين: 461 حديث (21) الباب (43)، بحار الأنوار 44: 245 حديث (44).

السؤال: روايات صحيحة السند تحث على إقامتها
ما نظرة فقهاء الشيعة ومثقّفيهم في قضية البكاء، ولطم الصدور، وغيرها من الأُمور الأُخرى، المتعلّقة بسيّد الشهداء الإمام الحسين(عليه السلام)؟
نودّ من خلال إجابتكم جواباً بسيطاً شافياً، ويدخل في الأذهان بسهولة، حتّى نتمكّن من سردها لإخواننا من غير الشيعة، الذين يسألوننا عن ذلك دوماً.
ولكم جزيل الشكر والامتنان.
الجواب:

قد روى علماء المسلمين في كتب الحديث بكاء النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) على الإمام الحسين(عليه السلام) قبل شهادته، وذلك لمّا أخبره جبرائيل بما سيجري على الإمام الحسين(عليه السلام)، وهذا تكرّر عدّة مرّات من النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكذلك بكاء أمير المؤمنين(عليه السلام) والصحابة لمّا أخبرهم النبيّ بما سيجري على الإمام الحسين(عليه السلام).
أضف إلى ذلك، ما ورد صريحاً في روايات أهل البيت(عليهم السلام) الصحيحة السند في الحثّ على إقامة المأتم على الإمام الحسين(عليه السلام).
وكما تعلمون فإنّ لكلّ قوم عرف خاصّ بهم في إقامة المأتم، ومن ذلك اللطم عند الشيعة، فإنّه مظهر من مظاهر الحزن عندهم، ويدخل تحت عمومات استحباب إقامة المأتم.
أضف إلى ذلك فإنّ الهاشميات لطمن على الإمام الحسين(عليه السلام)، وما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام): (إنّ البكاء والجزع مكروه للعبد في كلّ ما جزع ما خلا البكاء والجزع على الحسين بن عليّ(عليه السلام) فإنّه فيه مأجور)(1) خير دليل على هذا.

(1) كامل الزيارات: 202 الباب (32) حديث (286).

السؤال: ماذا ينبغي فعله في شهر محرّم
بما أنّ شهر محرّم قريب، فما هي الأعمال التي يستحبّ القيام بها في هذا الشهر العظيم؟
وشكراً على تفضّلكم بالإجابة على الأسئلة.
الجواب:

مع حلول شهر محرّم الحرام، تتجدّد ذكرى استشهاد سيّد الشهداء الإمام الحسين(عليه السلام) - ريحانة الرسول الأعظم(صلّى الله عليه وآله وسلّم) - وأصحابه الأوفياء، وأسر أهل بيته ظلماً وجوراً؛ ولهذا السبب وبالذات تلتزم الشيعة - وحتّى المنصفون من غيرهم - بإحياء شعائر هذه النهضة الخالدة عبر القرون والأجيال، لكي يستلهم المجتمع البشري في كلّ زمانٍ مفردات الإيمان والإباء في سبيل العقيدة الإسلامية الحيّة، من عناصر هذه الحركة والجهاد.
وعليه ينبغي لكلّ مسلم، أن يظهر من سلوكه وآدابه، ما يدلّ على الحزن والأسى، وأن يجتنب بقدر الإمكان من مظاهر الفرح والابتهاج والسرور؛ ففي تاريخ اليعقوبي: ((وروى بعضهم: أنّ علي بن الحسين لم ير ضاحكاً يوماً قط، منذ قتل أبوه))(1).
وروي عن الرضا(عليه السلام)، قال: (إنّ المحرّم شهر كان أهل الجاهلية يحرّمون فيه القتال، فاستحلت فيه دماؤنا، وهتكت فيه حرمنا، وسبي فيه ذرارينا ونساؤنا، وأضرمت النيران في مضاربنا، وانتهب ما فيها من ثقلنا، ولم ترع لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) حرمة في أمرنا!
إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذلّ عزيزنا، بأرض كرب وبلاء، وأورثتنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء، فعلى الحسين فليبكِ الباكون، فإنّ البكاء يحطّ الذنوب العظام..
ثمّ قال(عليه السلام): كان أبي(صلوات الله عليه) إذا دخل شهر المحرّم لا يرى ضاحكاً، وكانت الكآبة تغلب عليه حتّى يمضي منه عشرة أيّام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه، ويقول: هو اليوم الذي قتل فيه الحسين(صلوات الله عليه))(2).
وأن يحرص على الحضور في المآتم والمجالس الحسينية التي تنعقد في هذا الشهر تعظيماً للشعائر، وتأكيداً للمحافظة على تلك القيم السامية في النفس، وإظهاراً للمودّة والولاء لخطّ أهل البيت(عليهم السلام)، والبراءة من أعدائهم في طول التاريخ.
وفي هذا المجال لا يفوتنا أن نذكر فضل قراءة زيارة عاشوراء، وما لها من آثار عظيمة دينيّاً ودنيويّاً، فقراءتها أمر مستحبّ مؤكّد في كلّ وقت وزمان(3).

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 259 أحداث أيّام مروان بن الحكم و...
(2) أمالي الصدوق: 190 مجلس(27) حديث (199).
(3) مصباح المتهجّد: 771 أعمال محرّم.

لسؤال: الأئمّة يقيمون العزاء على الإمام الحسين(عليه السلام)
لو سمحتم أن توردوا لنا مصادر - سواء من كتبنا أو من كتب العامّة - على أنّ الإمام زين العابدين(عليه السلام)، أو أحد الأئمّة(عليهم السلام) نصب عزاءً للإمام الحسين(عليه السلام)، وأنّه كرّر ذكر مظلوميّته في كلّ سنة.

الجواب:

أوّلاً: إنّ أوّل مجلس نصبه الإمام زين العابدين(عليه السلام) كان في الشام، عندما خطب في ذلك الحشد، وأخذ ينعى أبيه ويعدّد صفاته ويبيّن مظلوميّته، والناس من حوله تبكي، فهذا أوّل مجلس عزاء أقامه الإمام زين العابدين(عليه السلام) في الجامع الأُموي(1).
ثانياً: ما كان يفعله الإمام زين العابدين(عليه السلام) عند مروره بالقصّابين، وتذكيرهم بمصاب الإمام الحسين(عليه السلام)، وأخذه البكاء أمامهم، فإنّ هذا عزاء لأبيه الحسين(عليه السلام) في الملأ العام، وليس فقط تذكير لهم.
ثالثاً: روى العلاّمة المجلسي عن بعض مؤلّفات المتأخّرين أنّه قال: ((حكى دعبل الخزاعي، قال: دخلت على سيّدي ومولاي علي بن موسى الرضا(عليه السلام) في مثل هذه الأيّام ]يعني محرّم[ فرأيته جالساً جلسة الحزين الكئيب، وأصحابه من حوله، فلمّا رآني مقبلاً قال لي: (مرحباً بك يا دعبل، مرحباً بناصرنا بيده ولسانه).
ثمّ إنّه وسّع لي في مجلسه، وأجلسني إلى جانبه، ثمّ قال لي: (يا دعبل! أحبّ أن تنشدني شعراً، فإنّ هذه الأيّام أيّام حزن كانت علينا أهل البيت، وأيّام سرور كانت على أعدائنا، خصوصاً بني أُميّة.
يا دعبل! من بكى وأبكى على مصابنا ولو واحداً كان أجره على الله.. يا دعبل! من ذرفت عيناه على مصابنا وبكى لِما أصابنا من أعدائنا حشره الله معنا في زمرتنا.. يا دعبل! من بكى على مصاب جدّي الحسين غفر الله له ذنوبه البتة).
ثمّ إنّه(عليه السلام) نهض وضرب ستراً بيننا وبين حرمه، وأجلس أهل بيته من وراء الستر ليبكوا على مصاب جدّهم الحسين(عليه السلام)، ثمّ التفت إليّ وقال لي: (يا دعبل! إرثِ الحسين، فأنت ناصرنا ومادحنا ما دمت حيّاً، فلا تقصّر عن نصرتنا ما استطعت).
قال دعبل: فاستعبرت وسالت عبرتي، وأنشأت أقول:
أفاطم لو خلت الحسين مجدّلاً ***** وقد مات عطشاناً بشطّ فُراتِ
إذاً للطمت الخدّ فاطم عنده ***** وأجريت دمع العين في الوجنات...))(2)
فهنا الإمام(عليه السلام) عقد مجلساً لذكر جدّه الإمام الحسين(عليه السلام)، وأمر بضرب الحجاب حتّى يسمع أهل بيته.
رابعاً: روى العلاّمة المجلسي عن بعض المؤلّفات لأحد ثقاة معاصريه، أنّه لمّا أخبر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ابنته فاطمة بقتل ولدها الحسين، وما يجري عليه من المحن، بكت فاطمة بكاءً شديداً، وقالت: يا أبتِ! متى يكون ذلك؟ قال: (في زمان خالٍ منّي ومنك ومن عليّ)، فاشتدّ بكاؤها، وقالت: يا أبتِ! فمن يبكي عليه؟ ومن يلتزم بإقامة العزاء له؟
فقال النبيّ: (يا فاطمة! إنّ نساء أُمّتي يبكون على نساء أهل بيتي، ورجالهم يبكون على رجال أهل بيتي، ويجدّدون العزاء جيلاً بعد جيل في كلّ سنة، فإذا كان القيامة، تشفعين أنت للنساء، وأنا أشفع للرجال، وكلّ من بكى منهم على مصاب الحسين أخذنا بيده، وأدخلناه الجنّة)(3).
خامساً: روى الشيخ الصدوق بسنده عن الإمام الرضا(عليه السلام)، أنّه قال: (إنّ المحرّم شهر كان أهل الجاهلية يحرّمون فيه القتال، فاستُحلّت فيه دماؤنا، وهُتكت فيه حرمتنا، وسُبي فيه ذرارينا ونساؤنا، وأضرمت النيران في مضاربنا...
ثمّ قال(عليه السلام): كان أبي(صلوات الله عليه) إذا دخل شهر المحرّم لا يرى ضاحكاً، وكانت الكآبة تغلب عليه حتّى يمضي منه عشرة أيّام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك يوم مصيبته وحزنه وبكائه، ويقول: هو اليوم الذي قتل فيه الحسين(صلوات الله عليه))(4).
فالإمام(عليه السلام) أقام العزاء للإمام الحسين(عليه السلام)، وجدّد مصيبته في كلّ محرّم بحزنه وبكائه، وتغيّر لونه.
وهناك روايات كثيرة واردة في أنّ الأئمّة(عليهم السلام) كانوا يظهرون الحزن والعزاء عند دخول شهر محرّم.
نعم، تبقى مسألة لا بدّ من الالتفات إليها، وهي: حالة الأئمّة(عليهم السلام) وما كانوا عليه من المطاردة والمحاصرة، والمراقبة المشدّدة من قبل الدولتين الأُموية - هي التي وقعت فيها معركة كربلاء - والعبّاسية، ومعلوم موقف الدولتين من أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، فلذلك لا تجد أنّ الإمام يقيم العزاء العام، ويدعو الناس إليه كما يقام الآن؛ لأنّه في رقابة وفي محاصرة تامّة من قبل السلطة، ويريد أن يحفظ نفسه، ويقوم بما هو المطلوب منه، فلذلك لا نجد هذا الأمر بالكيفية التي عليها نحن اليوم.

(1) الاحتجاج 2: 38 احتجاج علي بن الحسين زين العابدين على يزيد بن معاوية لما أدخل عليه.
(2) بحار الأنوار 45: 257 الباب (44) حديث (15).
(3) بحار الأنوار 44: 292 الباب (34) حديث (37).
(4) أمالي الشيخ الصدوق: 190 المجلس(27) حديث (199).
D

السؤال: رواية تشير إلى من يجدد العزاء جيلاً بعد جيل
في أي مصدر نجد: أنّه لمّا سألت الزهراء(عليها السلام) أنّ ابني هذا سيُقتل ولا يُقام له عزاء؟ فقال لها النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إنّ الله سيخلق له شيعة يندبونه إلى يوم القيامة؟
الجواب:

لعلّ ما تسألين عنه هي الرواية التي ذكرها المجلسي في (البحار)، عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): أنّه لمّا أخبر فاطمة(عليها السلام) بقتل ولدها الحسين(عليه السلام) وما يجري عليه من المحن، بكت فاطمة بكاءً شديداً، وقالت: يا أبت! متى يكون ذلك؟ قال: (في زمان خالٍ منّي ومنك ومن عليّ). فاشتدّ بكاؤها، وقالت: يا أبت! فمن يبكي عليه، ومن يلتزم بإقامة العزاء له؟ فقال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يا فاطمة! إنّ نساء أُمّتي يبكون على نساء أهل بيتي، ورجالهم يبكون على رجال أهل بيتي، ويجدّدون العزاء جيلاً بعد جيل في كلّ سنة، فإذا كان القيامة تشفعين أنت للنساء وأنا أشفع للرجال، وكلّ من بكى منهم على مصاب الحسين أخذنا بيده وأدخلناه الجنّة)(1).

(1) بحار الأنوار 44: 293.

السؤال: إقامة الشعائر الحسينية مستحبّ مؤكّد
السلام عليكم، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين
لدي سؤال حول مراسم العزاء لآل البيت(عليهم السلام): هل الإنسان يُحاسَب شرعاً لو لم يعتقد بالعزاء، أو لم يحضر مراسم عاشوراء والمناسبات الدينية الأُخرى المتعلّقة بالأئمّة(عليهم السلام)؟
أرجو إعطائي أدلّة واضحة
الجواب:

المراسم والطقوس الدينية المرتبطة بإقامة العزاء لأهل البيت(عليهم السلام) تندرج ضمن الشعائر التي ذكرها الله تعالى بقوله: (( وَمَن يُعَظِّم شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقوَى القُلُوبِ )) (الحج:32)، وعدم إقامة هذه المراسيم والطقوس لا يترتّب عليه إثم شرعي؛ لأنّ إقامتها ليس واجباً شرعياً، فهي من المستحبّات المؤكّدة، وتركها يؤدّي إلى فوات أجر عظيم وثواب لا يحصى، كما أنّها تدخل في إطار أجر الرسالة الذي ورد في قوله تعالى: (( قُل لاَّ أَسأَلُكُم عَلَيهِ أَجراً إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُربَى )) (الشورى:23), ومن لا يقيم العزاء في مناسبات مصائب آل البيت(عليهم السلام) لا يكون صادق المودّة لهم (عليهم السلام)، ولم يحفل بأجر الرسالة، التي هي من أعظم النعم على العباد بعد نعمة التوحيد.

السؤال: ضرورة الحضور في المجالس الحسينية
لماذا يصرّ العلماء والخطباء على حضور المجالس الحسينية مع أنّ نفس الكلام الذي يقوله الخطيب في الحسينية نجده في الكتب، ونستطيع قراءته من دون الحضور للمجالس الحسينية؟
الجواب:

لا بأس بقراءة الكتب والتعرّف على الإمام الحسين(عليه السلام) من خلال هذه الطريقة، ولكن لحضور المجالس الحسينية فائدة أُخرى غير الافائدة العلمية، وهي: التعظيم لشعائر الله من خلال الحضور، ومن خلال البكاء ولبس السواد واللطم وإظهار الجزع والصراخ، وإطعام الطعام وسقي الماء، وتعزية المؤمنين بعضهم لبعض، وغير ذلك.



السؤال: حكم الغياب عن المجالس يوم العاشر من محرّم
هل الغياب في اليوم العاشر من محرّم لا يجوز؟ وكذلك في وفاة الأئمّة(عليهم السلام)؟
الجواب:

من مصاديق الآية الشريفة: (( ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّم شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقوَى القُلُوبِ )) (الحج:32) هو: الحضور في المجالس والمآتم التي تُعقد في اليوم العاشر من محرّم، وأيّام شهادة الأئمّة المعصومين(عليهم السلام)؛ فإنّ الحضور فيها يعدّ من تقوى القلوب، ويقرّب إلى الله تعالى.
وعلى أتباع أهل البيت(عليهم السلام) أن يُحيوا هذه المجالس بحضورهم، كما وردت عن أهل البيت(عليهم السلام) في وصف شيعتهم: (يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا)(1)؛ إذ الحبّ القلبي لوحده لا يكفي، فلا بدّ من تجاوز هذا الحبّ القلبي إلى مرحلة الإظهار والعمل، ومن أبرز مصاديق الإظهار: إحياء أمرهم(عليهم السلام) بعقد المجالس والمآتم، والحضور فيها.
ولا ننسى أن ننبّه: أنّ الغياب الدائمي عن الحضور في هذه المجالس إذا كان تهاوناً من الشخص بحيث يكون من مصاديق الجفاء لأهل البيت(عليهم السلام)، أو أحرز الشخص أنّه سيؤدّي إلى إضعاف هذه المجالس، فهناك بعض من العلماء يفتون بحرمة الغياب.

(1) كامل الزيارات: 204 الباب (32) حديث (291).

لسؤال: مجموعة أسئلة حول المأتم الحسيني
هذه مجموعة من الأسئلة المتعلّقة بالمأتم الحسيني من بعض الأخوات نرجو التفضل بالإجابة عليها:
1- تقرأ في مآتم النساء رواية تزويج القاسم لابنة عمّه سكينة في كربلاء:
أ - فما هو حكم قراءتها أو الاستماع لها، علماً بأنّها رواية غير صحيحة؟
ب - وهل هناك بأس أو تجريح عند نثر الحلاوات؟
2- ما رأيكم في التصفيق في المأتم أثناء المصيبة أو في الدور (الوقوف لقراءة اللطمية)؟
3- هل يجوز الضرب على الفخذ أثناء اللطمية، أم أنّ الضرب محصور على الصدر فقط؟
4- ما هي نصيحتكم لمن يريد كتابة رواية حسينية لقراءتها في المأتم؟
5- ما هي الكتب التي تنصحون بالاعتماد عليها لكتابة رواية حسينية، أو للتحقّق من صحّة رواية معيّنة؟
6- ما هو حكم من كتب رواية حسينية معتمداً على مصدر غير موثوق أو كانت الرواية غير صحيحة؟
7- كيف نميّز الرواية الصحيحة من الخاطئة؟
8- ما مدى صحّة بعض العبارات في بعض الروايات، مثل: شقّت جيبها، نشرت شعرها، وهل يجوز قراءتها في المأتم؟
9- لو أُعطيت إحدى القارئات مقطع من رواية لقراءتها وهي على علم سابقاً بعدم صحّة هذه الرواية، فهل تأثم إذا قرأتها؟
10- هل هناك مواصفات معيّنة للقارئات الحسينيات؟
11- بماذا تنصحون أصحاب المآتم الحسينية لتفعيل دورها في حياتنا اليومية، وعلى جميع الأصعدة (الروحي، الإجتماعي، الأخلاقي)؟
الجواب:

بالنسبة إلى قراءة رواية تزويج القاسم(عليه السلام) من ابنة عمّه سكينة في كربلاء جائزة إن كان الغرض من قراءتها هو الإبكاء وإقامة العزاء، لكن لا مع التأكيد على صحّتها؛ فقد اختلف العلماء فيها على قولين، ولكلّ أدلّة وكتب أوردها شيخنا صاحب (الذريعة إلى تصانيف الشيعة).
ولا مانع من نثر الحلوى في المجلس، كما لا مانع من التصفيق المتعارف عند القارئات في المأتم إذا كان المقصود منه تهييج العواطف والمشاعر الدينية والإنسانية.
ونصيحتنا لمن يريد أن يكتب رواية حسينية هي: أن يسند المطالب التي يكتبها إلى الكتب التي ينقل عنها؛ حتّى تكون عهدة الرواية على أصحاب تلك الكتب. وأن يعتمد على المصادر المعتبرة والكتب المشهورة التي اعتمد عليها علماؤنا السابقون وخطباؤنا الملتزمون بالنقل عن تلك الكتب المعتبرة، ككتب السيّد ابن طاووس، والشيخ المفيد، والشيخ الطوسي، والشيخ عبّاس القمّي، وغيرهم.
وكتابة الرواية الحسينية بالاعتماد على ما لا يرى جمهور علمائنا صحّته غير جائزة، كأيّ كتابة أُخرى، لا سيّما مع الاعتقاد بالصحّة خلافاً للعلماء.
أمّا تمييز الرواية الصحيحة من الخاطئة فهو من الأُمور التخصصية التي لا بدّ من دراستها، ومعرفة المعايير والموازين الخاصّة بها.
وأمّا قراءة بعض العبارات مثل: ((كشفت جيبها ونشرت شعرها)) فلا مانع منه مع وجوده في بعض الكتب المشهورة للأصحاب إذا كان لغرض الإبكاء، لكن لا مع الالتزام بصحّتها والتأكيد على وقوعها بصورة حتميّة، إلاّ من العارف بموازين الصحّة.
وأمّا قراءة ما يعلم مسبقاً عدم صحّته، فلا يجوز إذا كان العلم بعدم صحّة الرواية المعيّنة مستنداً إلى مدرك صحيح.
ولا بدّ أن يكون قارئ مأتم الحسين(عليه السلام)، سواء كان رجلاً أو أمراة، متحلّياً في سلوكه وأخلاقه واعتقاده وجميع شؤونه بصفات تتناسب مع تصدّيه لمثل هذا المقام العظيم الذي يرتبط بقضايا أهل البيت(عليهم السلام).
وأمّا نصيحتنا لأصحاب المجالس الحسينية فهي: أن يكونوا دعاة لأهل البيت(عليهم السلام) بغير ألسنتهم، كما في معنى الخبر عنهم(عليهم السلام)(1)، وأن يكونوا زيناً لهم لا شيناً عليهم، كما في الخبر عنهم أيضاً(2).
وعلى الجملة فإنّ الغرض من إقامة المجالس هو: نشر فكر أهل البيت(عليهم السلام) وتعاليمهم وأدبهم، فكيف يتمّ ذلك مع انتفاء هذه الأُمور عن أصحاب تلك المجالس؟

(1) قرب الاسناد: 77 أحاديث متفرقة حديث (251)، المحاسن 1: 18 الباب (11)، الكافي 2: 78 باب الورع.
(2) أمالي الصدوق: 484 المجلس(62) حديث (657)، وقريب منه تحف العقول: 488 قصارى كلمات الإمام العسكري(عليه السلام).

السؤال: حضور الأرواح في مجالس الذكر
ماذا يعني حضور الأرواح الطاهرة في مجالس الذكر؟ وهل يتعيّن على النساء في مجالسهنّ عدم لبس الملابس الرقيقة؟
الجواب:

قد ورد في بعض الأخبار عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام): (إنّ شيعتنا، منّا خُلقوا من فاضل طينتنا، وعُجنوا بماء ولايتنا، يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا)(1)، ومن المؤكّد أنّ أرواحهم الطاهرة ناظرة إلى تلك المجالس المنعقدة من أجل إحياء أمرهم. ولا بدّ لكلّ من يحضر تلك المجالس أن يلتزم بما يتناسب مع معنويتها وروحانيتها من حيث الملبس وسائر الحركات والأعمال.

(1) انظر: بصائر الدرجات: 36 الباب (9)، روضة الواعظين: 296، بحار الأنوار 53: 303، الخصائص الحسينية 9: 14، شجرة الطوبى 1: 3 المجلس(1).
السؤال: إمكان حضور أرواح المعصومين(عليهم السلام) في مجالس الحسين(عليه السلام)
إنّي كثيراً ما أسمع من كبار الخطباء بأنّ فاطمة(عليها السلام) وزينب, قد تحضران في مجالس العزاء التي تُعقد في الحسينيات.
كأنّما خرجتا من الدنيا وهما تحملان آلامهما ولم تستريحا في عالم البرزخ، بينما نسمع بأنّ المؤمن يدخل جنّة البرزخ ويستمتع بها، والكافر يعذّب في نار جهنم.
فكيف تبقى خير النساء معذّبات في الدنيا؟! أوَ ليس الأولى أن يجازيهما الله في عالم البرزخ على صبرهما بالجنّات بدل الهموم؟
الجواب:

بعض الروايات تشير إلى أنّ الأرواح في عالم البرزخ لها القابلية على الاطّلاع على عالم الدنيا، وعندما ترى شيئاً سيئاً يسوءها، وإذا رأت شيئاً حسناً أسرّها، وهذا لا يتناقض مع كونها منعّمة في جنّة البرزخ.
فلا يُستبعد أن تكون الزهراء(عليها السلام) وغيرها تطّلع بحضور روحها في بعض الأماكن التي تذكر مصيبة ولدها الحسين(عليه السلام) فتحزن لتلك الذكرى، وإن كنّا لم نطّلع على رواية بهذا المضمون، وهذا لا يتناقض كما قلنا مع نعيمها في البرزخ.

لسؤال: أدلّة استحباب البكاء على الإمام الحسين(عليه السلام)
هل عندكم أدلّة على استحباب البكاء حزناً على الإمام الحسين(عليه السلام)؟
الجواب:

وردت فيه أخبار كثيرة, بل متواترة, وهي على طوائف، منها:
الطائفة الأولى:
ما ورد أنّ البكاء عليه يوجب غفران كلّ ذنب، كصحيح الريّان بن شبيب، عن الإمام الرضا(عليه السلام)، في حديث: (يا بن شبيب! إن كنت باكياً لشيء فابكِ للحسين بن عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، فإنّه ذبح كما يذبح الكبش، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً، ما لهم في الأرض شبيه، ولقد بكت السموات السبع والأرضون لقتله.
- إلى أن قال: - يا بن شبيب! إن بكيت على الحسين(عليه السلام) حتـّى تصير دموعك على خدّيك، غفر الله لك كلّ ذنب أذنبته، صغيراً كان أو كبيراً، قليلاً كان أو كثيراً)(1).
وخبر الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله(عليه السلام): (من ذُكرنا عنده ففاضت عيناه، ولو مثل جناح الذباب، غفر الله له ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر)(2).
الطائفة الثانية:
ما ورد أنّ البكاء عليه يوجب غفران الذنوب العظام, كخبر إبراهيم بن أبي محمود, عن الرضا(عليه السلام)، في حديث: (فعلى مثل الحسين فليبكِ الباكون، فإنّ البكاء يحطّ الذنوب العظام)(3).
الطائفة الثالثة:
ما ورد أنّ البكاء عليه يمنع دخول النار على الباكي، كخبر الفضيل وفضالة، عن أبي عبد الله(عليه السلام): (من ذُكرنا عنده ففاضت عيناه حرّم الله وجهه على النار)(4).
الطائفة الرابعة:
ما ورد أنّ البكاء عليه يوجب دخول الجنّة، كخبر محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام): (كان علي بن الحسين(عليهما السلام) يقول: (أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين(عليه السلام)، حتـّى تسيل على خدّه, بوّأه الله بها في الجنّة غرفاً يسكنها أحقاباً، وأيّما مؤمنٍ دمعت عيناه حتـّى تسيل على خدّيه في ما مسّنا من أذى من عدونا في الدنيا بوّأه الله منزل صدق)(5).
وخبر محمّد بن عمارة، عن جعفر بن محمّد(عليه السلام), قال: (من دمعة عينه فينا دمعه لدمٍ سُفك لنا، أو حقّ لنا نقصناه، أوعرضٍ انتهك لنا، أو لأحد من شيعتنا، بوّأه الله تعالى بها في الجنّة حقباً)(6).
وخبر أبي هارون المكفوف, قال أبو عبد الله(عليه السلام) في حديث: (ومن ذُكر الحسين عنده فخرج من عينه من الدموع مقدار جناح ذباب كان ثوابه على الله, ولم يرضَ له بدون الجنّة)(7).
الطائفة الخامسة:
ما ورد أنّ البكاء عليه يوجب حضور الأئمّة(عليهم السلام) عند موت الباكي، كخبر مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث: (قال لي: أفما تذكر ما صُنع به؟ - يعني بالحسين - قلت: نعم. قال: فتجزع؟ قلت: أي واللهِ، واستعبر لذلك حتـّى يرى أهلي أثر ذلك عليَّ، فامتنع من الطعام حتـّى يستبين ذلك في وجهي.
قال: رحم الله دمعتك, أما إنّك من الذين يُعدّون من أهل الجزع لنا، والذين يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويخافون لخوفنا، ويأمنون إذا أمّنا، أما إنّك سترى عند موتك حضور آبائي لك, ووصيّتهم ملك الموت بك, وما يلقونك به من البشارة أفضل، ولَملك الموت أرقّ عليك وأشدّ رحمة لك من الأُمّ الشفيقة على ولدها) - إلى أن قال: - (وما بكى أحدٌ رحمةً لنا ولما لقينا إلاّ رحمه الله قبل أن تخرج الدمعة من عينه, فإذا سالت دموعه على خدّه, فلو أنّ قطرة من دموعه سقطت في جهنم لأطفأت حرّها، حتـّى لا يُوجد لها حَرّ) - إلى أن قال: - (وما من عين بكت لنا إلاّ نعمت بالنظر إلى الكوثر، وسُقيت منه من أحبنّا)(8).
الطائفة السادسة:
ما ورد أنّ البكاء عليه يُسعد فاطمة سيّدة نساء العالمين(عليها السلام), كما في خبر أبي بصير، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث: (يا أبا بصير! إذا نظرت إلى وَلَدِ الحسين(عليه السلام) أتاني ما لا أملكه بما أُوتى إلى أبيهم وإليهم.
يا أبا بصير! إنّ فاطمة(عليها السلام) لتبكيه وتشهق - إلى أن قال: - يا أبا بصير! أما تحبّ أن تكون فيمن يُسعد فاطمة(عليها السلام)؟! فبكيت حين قالها، فما قدرت على المنطق، وما قدرت على كلامي من البكاء)(9).
إلى غير ذلك من الطوائف والأخبار, ويكفينا في عظمة أجر البكاء، ما ورد في خبر معاوية بن وهب، قال: ((استأذنت على أبي عبد الله(عليه السلام)، فقيل لي: ادخل، فدخلتُ فوجدته في مصلاه في بيته، فجلست حتـّى قضى صلاته، فسمعته وهو يناجي ربّه، ويقول: (يا من خصّنا بالكرامة، وخصّنا بالوصية، ووعدنا الشفاعة، وأعطانا علم ما مضى وما بقي، وجعل أفئدة من الناس تهوي إلينا، اغفر لي ولإخواني, ولزوّار قبر أبي [عبد الله], الحسين(عليه السلام), الذين أنفقوا أموالهم، وأشخصوا أبدانهم رغبة في برّنا، ورجاءً لما عندك في صلتنا، وسروراً أدخلوه على نبيّك صلواتك عليه وآله، وإجابة منهم لأمرنا، وغيظاً أدخلوه على عدوّنا, أرادوا بذلك رضاك، فكافهم عنّا بالرضوان، واكلأهم بالليل والنهار - إلى أن قال: - فارحم تلك الوجوه التي قد غيّرتها الشمس، وارحم تلك الخدود التي تقلّبت على حفرة أبي عبد الله(عليه السلام)، وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا، وارحم الصرخة التي كانت لنا، اللّهمّ إنّي استودعك تلك الأنفس، وتلك الأبدان, حتـّى نوافيهم على الحوض يوم العطش), فما زال وهو ساجد يدعو الله بهذا الدعاء)) الخبر(10).
وبالدمع يمتزج العقل بالمحبّة, والبرهان بالعاطفة, فتدخل الولاية في الوجدان كما دخلت في القلب، ليكون الإنسانُ مدفوعاً للتمسّك بهم شعوراً وقلباً، بعدما كان متمسّكاً بهم عقلاً.
واعلم أيضاً أنّ البكاء ممدود ومقصور، يأتي مع الهمزة وبدونها, فالبكا - مقصور -: خروج الدمع من العين, والبكاء - ممدود ــ: خروج الدمع مع الصوت, وإذا خرج مع الصراخ فهو: العويل.
واعلم أيضاً أنّ البكاء من سبعة أُمور: الحزن، الفرح، الخوف، الفزع، الشكر، خشية الله, ومن الرياء.
والبكاء من الرياء كبكاء إخوة يوسف؛ قال تعالى: (( وَجَاؤُوا أَبَاهُم عِشَاءً يَبكُونَ )) (يوسف:16)، وباقي أقسام البكاء معروفٌ عند الجميع.
واعلم أنّ أعظم أقسام البكاء ثواباً هو الخشية من الله؛ ففي الخبر: (كلّ عين باكية يوم القيامة إلاّ ثلاثة أعين: عينٌ بكت من خشية الله, وعينٌ غضّت عن محارم الله, وعينٌ باتت ساهرة في سبيل الله)(11).
وبهذا البكاء مع السجود يصل الإنسان إلى أعظم درجات القربى؛ قال تعالى: (( وَيَخِرُّونَ لِلأَذقَانِ يَبكُونَ وَيَزِيدُهُم خُشُوعاً )) (الاسراء:109).
والبكاء خشيةً ترجع منفعته إلى العبد؛ لأنّه بكاء بسبب الذنب، بخلاف البكاء بسبب حبّ الله, فهو متمحضّ في التقرّب لكون دافعه وفعله لله جلّ وعلا.
ومنه البكاء بسبب حبّ أوليائه وحزناً على ما أصابهم، ومن أعظم مصاديقه: البكاء على سيّد الشهداء الحسين بن عليّ(عليه السلام), فلا محالة يكون ثوابه عظيماً، بل لا تقدير لثوابه؛ ففي الخبر عن أبي عبد الله(عليه السلام): (لكلّ شيء ثواب إلاّ الدمعة فينا)(12).
واعلم أيضاً أنّ البكاء بكاءان, بكاء القلب وبكاء العين, وبكاء العين معروف المصداق، وتقدّم الكلام في ثوابه.
وبكاء القلب بالهمّ والغمّ والحزن؛ ففي الخبر عن أبي عبد الله(عليه السلام): (نَفَسُ المهموم لظلمنا تسبيح, وهمّه لنا عبادة، وكتمان سرّنا جهاد في سبيل الله، ثمّ قال أبو عبد الله(عليهم السلام): يجب أن يُكتب هذا الحديث بالذهب)(13).
واعلم أيضاً أنّ عدم بكاء المعتقد بالولاية على الحسين(عليه السلام) عند ذكر مصابه إنّما هو لأحد سببين: الذنب والكِبر.
أمّا الذنب؛ ففي الخبر العلوي: (ما جفّت الدموع إلاّ لقسوة القلوب، وما قست القلوب إلاّ لكثرة الذنوب)(14).
وفي الخبر الصادقي عن آبائه(عليهم السلام), عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من علامات الشقاء: جمود العين, وقسوة القلب، وشدّة الحرص في طلب الرزق، والإصرار على الذنب)(15).
وأمّا الكِبر؛ قال تعالى: (( سَأَصرِفُ عَن آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرضِ بِغَيرِ الحَقِّ )) (الاعراف:146)، وأيُّ آيةٍ أعظم من مصيبة أبي عبد الله(عليه السلام).
وإذا خلى المؤمن من هذين السببين مع التفاته إلى ما جرى على سيّد الشهداء(عليه السلام), فلا بدّ أن يبكي؛ لذا ورد في الخبر عن الإمام الصادق(عليه السلام): (كنّا عنده فذكرنا الحسين(عليه السلام)، فبكى أبو عبد الله(عليه السلام) وبكينا، قال: ثمّ رفع رأسه، فقال: قال الحسين(عليه السلام): أنا قتيل العبرة، لا يذكرني مؤمن إلاّ بكى)(16).
إذا ذُكر الحُسين فأيّ عينٍ ***** تصونُ دموعها صونَ احتشامِ
بكته الأنبياء وغيرُ بَدعٍ ***** بأن تبكي الكرام على الكرامِ
وقال آخر:
نزف البكاء دموعَ عينك فاستعر ***** عيناً لغيرك دمعُها مدّارُ
من ذا يُعيرك عينه تبكي بها ***** ياليت عيناً بالبكاء تُعارُ
ومن جهة أُخرى فالعجب من بعضهم كالشيخ البهبودي في حاشيته على فضل ثواب البكاء على سيّد الشهداء(عليه السلام) في (بحار الأنوار 44: 293، وما بعدها)، حيث ذهب إلى أنّ هذا الثواب محمول على زمن خاص, وهو زمن صدق عنوان الجهاد على البكاء, وهو مخصوص بزمن بني أُميّة؛ لأنّهم أرادوا إماتة ذكر الحسين(عليه السلام) ومنع زيارته، ومنع البكاء عليه.
وفيه: إنّ الأخبار المتقدّمة مطلقة تشمل كلّ زمن وحال, بل بعضها يأبى عن التخصيص بزمن خاص، كصحيح ابن شبيب، عن الإمام الرضا(عليه السلام): (يا بن شبيب! إن سَرّك أن تكون معنا في الدرجات العُلى من الجنان, فاحزن لحزننا وافرح لفرحنا، وعليك بولايتنا، فلو أنّ رجلاً تولّى حجراً لحشره الله معه يومَ القيامة)(17).
وخبر الأربعمئة, قال أمير المؤمنين(عليه السلام): (إنّ الله تبارك وتعالى اطّلع إلى الأرض فاختارنا، واختار لنا شيعةً ينصروننا، ويفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا، أُولئك منّا وإلينا)(18).
بل كلّ الأخبار المتقدّمة في ثواب البكاء، أو جُلّها، واردٌ في عصر بني العبّاس, وإذا جاز مضمونها لبقاء الروح الأموية، فكذلك يجوز مضمونها اليومَ لبقاء هذه الروح الخبيثة عند بعض المسلمين من غير الشيعة.
ومن جهة ثالثة لا خلاف بين الشيعة الإمامية أعزّهم الله نصّاً وفتوى في جواز البكاء على الميّت, قبل الدفن وبعده، كما في (الحدائق)(19)، للأخبار المستفيضة, بل التي لا تقصر عن التواتر كما في (الجواهر)(20).
منها: ما رواه الصدوق: قال الصادق(عليه السلام): (لمّا مات إبراهيم ابن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): حزنا عليك يا إبراهيم, وإنّا لصابرون, يحزن القلب، وتدمع العين, ولا نقول ما يسخط الربّ)(21).
وخبر ابن القداح، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: (فلمّا مات إبراهيم ابن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم), هَمَلت عين رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالدموع، ثمّ قال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): تدمع العين، ويحزن القلب, ولا نقول ما يسخط الربّ، وإنّا بك يا إبراهيم لمحزونون)(22).
وما رواه الكليني باسناده عن أبي بصير، عن أحدهما(عليهما السلام)، قال: (لمّا ماتت رقية ابنة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): الحقي بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون وأصحابه، قال: وفاطمة(عليها السلام) على شفير القبر تنحدر دموعها في القبر)(23)؟
وما رواه الصدوق: ((النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) حين جاءته وفاة جعفر بن أبي طالب(عليه السلام) وزيد بن حارثة، كان إذا دخل بيته كثُر بكاؤه عليهما جدّاً، ويقول: كانا يحدّثاني ويؤنساني، فذهبا جميعاً))(24).
وما رواه الطوسي في أماليه, بإسناده عن عائشة، قالت: (لمّا مات إبراهيم بكى النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتـّى جرت دموعه على لحيته, فقيل له: يا رسول الله، تنهى عن البكاء وأنت وتبكي؟ فقال: ليس هذا بكاء، وانما هي رحمة, ومن لا يَرحم لا يُرحم)(25).
بل يستحبّ البكاء عند اشتداد الوجد لما في خبر منصور الصيقل، قال: ((شكوت إلى أبي عبد الله(عليه السلام) وجداًً وجدته على ابنٍ لي هَلَك, حتـّى خفت على عقلي, فقال: (إذا أصابك من هذا شيء فأفضِ من دموعك؛ فإنّه يسكن عنك) ))(26).
ولمّا أورده الصدوق قال: ((وقال(عليه السلام) - أي الصادق: - من خاف على نفسه من وجدٍ بمصيبةٍ فليفض من دموعه؛ فإنّه يسكن عنه))(27)، ولذا قال في (الجواهر): ((بل ربّما يظهر من بعض الأخبار استحبابه عند اشتداد الوجد))(28).
وأمّا عند العامّة فالبكاء على الميّت نفسه مباح عندهم بالاتّفاق؛ ففي (الفقه على المذاهب الأربعة): ((يحرم البكاء على الميّت برفع الصوت والصياح عند المالكية والحنفية، وقال الشافعية والحنابلة: إنّه مباح, أما هطل الدموع بدون صياح فإنه مباحٌ باتّفاق))(29).
وفي (المغني) لابن قدامة: ((أمّا البكاء بمجرّده فلا يُكره في حالٍ، وقال الشافعي: يباح إلى أن تخرج الروح, ويُكره بعد ذلك؛ لما روى عبد الله بن عتيك، قال: جاء رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى عبد الله بن ثابت يعوده، فوجده قد غلب, فصاح به فلم يجبه، فاسترجع، وقال: ((غلبنا عليك أبا الربيع)), فصاح النسوة وبكين، فجعل ابن عتيك يسكتهنّ، فقال له النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (دعهنّ فإذا وجب فلا تبكين باكية, يعني إذا مات.
ولنا ما روى أنس، قال: ((شهدنا بنت رسول الله ورسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، وقبّل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عثمان بن مظعون وهو ميّت, ورفع رأسه وعيناه تهراقان)).
وقال أنس: قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): ((أخذ الرايةَ زيدٌ فأُصيب, ثمّ أخذها جعفر فأُصيب, ثمّ أخذها عبد الله بن رواحة فأُصيب، وإنّ عيني رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لتذرفان)) إلى آخر ما قاله(30).
وعليه فالحكم بكراهة البكاء على الميّت بعد الموت، كما عن الشافعي، مردود بأخبارهم وأخبارنا.
هذا من ناحية الفتوى عندهم، وأمّا من ناحية أخبارهم، فقسم منها يدلّ على الجواز، وقسم يدلّ على النهي, ومن القسم الناهي:
ما أورده البيهقي في سننه، بإسناده عن ابن الخطّاب، عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: ((الميّت يُعذّب ببكاء الحيّ))(31).
وبإسناده عن ابن عمر: ((أنّ حفصة بكت على عمر فقال: مهلاً يا بُنية، ألم تعلمي أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (إنّ الميّت يُعذّب ببكاء أهله عليه) ))(32)، وقال البيهقي عقيبه: ((رواه مسلم في الصحيح))(33).
وبإسناده عن أبي بردة بن أبي موسى, عن أبيه، قال: ((لمّا طُعن عمر جعل صهيب يقول: وا أخاه, فقال له عمر: يا صهيب! أما علمت أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (إنّ الميّت ليُعذّب ببكاء الحيّ) )).
وقال البيهقي: ((رواه البخاري في الصحيح عن إسماعيل بن الخيل عن علي بن مسهر، ورواه مسلم عن علي بن حجر))(34).
وبإسناده عن عبد الله بن عمر: ((أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: إنّ الميّت ليعذّب ببكاء الحي))(35).
ولا يؤخذ بظاهرها؛ لما روته العامّة أنفسهم, كما رواه البيهقي بإسناده عن هشام بن عروة، عن أبيه: ((إنّ عائشة ذُكر عندها قول ابن عمر في المُعوّل عليه يُعذّب ببكاء أهله عليه، فقالت: يُعذّب ببكاء أهله عليه؟ فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن [كنية ابن عمر]، سمع شيئاً فلم يحفظه، إنّما مرّ بجنازة رجل من اليهود، فجعل أهله يبكونه، فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): إنّهم ليبكونه, وإنّه ليعذّب))(36).
وما رواه البيهقي عن عبد الله بن أبي بكر, عن أبيه: ((أنّ عبد الله بن عمر لمّا مات رافع بن خديج, قال لهم: لا تبكوا عليه؛ فإنّ بكاء الحيّ عذابٌ للميت)). وقال عن عمرة: فسألت عائشة عن ذلك، فقالت: ((يرحمه الله، إنّما قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليهودية وأهلها يبكون: إنّهم ليبكون عليها، وإنّها لتعذّب في قبرها))(37).
وما رواه البيهقي بإسناده عن عمرة: ((أنّها سمعت عائشة، وذُكر لها أنّ عبد الله بن عمر يقول: إنّ الميّت ليُعذّب ببكاء الحيّ, فقالت عائشة: أما أنّه لم يكذب، ولكنّه أخطأ أو نسي, إنّما مرّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) على يهودية، وهي يبكي عليها أهلها، فقال: إنّهم ليبكون عليها, وإنّها لتعذّب في قبرها))(38).
وما رواه البيهقي بإسناده عن القاسم بن محمّد، قال: ((لمّا بلغ عائشة قول عمر وابن عمر، قالت: إنّكم لتحدّثون عن غير كاذبين ولا مكذّبين, ولكن السمع يخطئ))(39).
فعائشة أنكرت هذه الأخبار عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ونسبت الاشتباه أو النسيان إلى عمر وابنه، وإن حاولت العامّة تفسير الأحاديث الناهية بغير ذلك؛ حفظاً لعمر وابنه عن النسيان والاشتباه(40).
وعلى كلٍّ فقد روت العامّة بكاء النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) على السبط الشهيد أبي عبد الله الحسين(عليه السلام)، كما في (المستدرك على الصحيحين)، أورده الحاكم النيسابوري بإسناده عن أُمّ الفضل بنت الحارث: ((أنّها دخلت على رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم), فقالت: يا رسول الله! إنّي رأيتُ حلماً منكراً الليلة.
قال: وما هو؟
قالت: إنّه شديد.
قال: وما هو؟
قالت: رأيت كأنّ قطعة من جسدك قُطعت, ووُضعت في حجري.
فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): رأيت خيراً، تلد فاطمة - إن شاء الله - غلاماً, فيكون في حجرك.
فولدت فاطمةُ الحسينَ، فكان في حجري, كما قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
فدخلت يوماً إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم), فوضعتُه في حجره، ثمّ حانت منّي التفاتة، فإذا عينا رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) تهريقان من الدموع، قالت: فقلت: يا نبيّ الله, بأبي أنت وأمّي, ما لك؟
قال: أتاني جبريل عليه الصلاة والسلام، فأخبرني أنّ أُمّتي ستقتل ابني هذا. فقلت: هذا؟
فقال: نعم, وأتاني بتربة من تربته حمراء)).
قال النيسابوري عقيب الخبر: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه))(41).

(1) أمالي الصدوق: 192 المجلس(27) حديث (202)، عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 2: 268 حديث (58).
(2) المحاسن 1: 63 كتاب ثواب الأعمال، كامل الزيارات: 207 الباب (32)حديث (293).
(3) أمالي الصدوق: 190 المجلس(27) حديث (199).
(4) كامل الزيارات: 207 الباب (32)حديث (296).
(5) ثواب الأعمال: 83 ثواب من بكى لقتل الحسين بن عليّ(عليهما السلام)، كامل الزيارات: 201 الباب (32) حديث (285).
(6) أمالي المفيد: 175 المجلس(22) حديث (5)، امالي الطوسي: 194 المجلس(330) حديث (32).
(7) كامل الزيارات: 208 الباب (33) حديث (297).
(8) كامل الزيارات: 203 - 205 الباب (32) حديث (291).
(9) كامل الزيارات: 169 - 171 الباب (26) حديث (220).
(10) الكافي 4: 582 - 582 كتاب الحجّ فضل زيارة أبي عبد الله(عليه السلام).
(11) الخصال للصدوق: 98 الباب (3) حديث (46).
(12) كامل الزيارات: 211 الباب (33) حديث (302).
(13) أمالي الطوسي: 115 حديث (32) المجلس الرابع، أمالي المفيد: 338 المجلس(40).
(14) علل الشرائع 1: 81 الباب (74)، روضة الواعظين: 420 مجلس في الحثّ على مخالفة النفس والهوى.
(15) الكافي 2: 290 كتاب الإيمان والكفر باب في أُصول الكفر وأركانه، الخصال: 243 الباب (4) حديث (96).
(16) كامل الزيارات: 215 الباب (36) حديث (313).
(17) أمالي الصدوق: 193 المجلس(27) حديث (202).
(18) الخصال: 635 حديث الأربعمئة، عيون الحكم والمواعظ: 152 الفصل (12).
(19) الحدائق4: 162 كتاب الطهارة الباب الثالث.
(20) الجواهر 4: 364 كتاب الطهارة الركن الثاني الفصل الخامس.
(21) من لا يحضرة الفقيه 1: 177 حديث (526) باب التعزية والجزع عند المصيبة.
(22) الكافي 3: 264 كتاب الجنائز باب النوادر.
(23) الكافي 3: 241 حديث (4730) كتاب الجنائز باب المسألة في القبر.
(24) من لا يحضرة الفقية 1: 177 حديث (527) باب التعزية والجزع عند المصيبة.
(25) أمالي الطوسي: 388 المجلس(13) حديث (850).
(26) الكافي 3: 250 كتاب الجنائز باب النوادر.
(27) وسائل الشيعة 2: 921 حديث (5) الباب (87) من أبواب الدفن.
(28) الجواهر الكلام 4: 364.
(29) الفقه على المذاهب الأربعة 2: 533 كتاب الصلاة مبحث الدعاء على الميّت.
(30) المغني 2: 410 كتاب الجنائز فصل في التعزية.
(31) السنن الكبرى البيهقي 4: 71 جماع أبواب التعزية باب أخبار تدلّ على أنّ الميت يعذب بالنياحة عليه.
(32) صحيح مسلم 3: 41 باب الميت يعذّب ببكاء أهله عليه.
(33) السنن الكبرى البيهقي 4: 71 باب سياق أخبار تدلّ على أنّ الميت يضرب...
(34) السنن الكبرى البيهقي 4: 71 جماع أبواب التعزية باب أخبار تدلّ على أنّ الميت يعذب بالنياحة عليه.
(35) السنن الكبرى البيهقي 4: 72 جماع أبواب التعزية باب أخبار تدلّ على أنّ الميت يعذب بالنياحة عليه.
(36) السنن الكبرى البيهقي 4: 72 جماع أبواب التعزية باب أخبار تدلّ على أنّ الميت يعذب بالنياحة عليه.
(37) السنن الكبرى البيهقي 4: 72 جماع أبواب التعزية باب أخبار تدلّ على أنّ الميت يعذب بالنياحة عليه.
(38) السنن الكبرى البيهقي 4: 72 جماع أبواب التعزية باب أخبار تدلّ على أنّ الميت يعذب بالنياحة عليه.
(39) السنن الكبرى البيهقي 4: 73 جماع أبواب التعزية باب أخبار تدلّ على أنّ الميت يعذب بالنياحة عليه.
(40) كتاب الذكرى في أحكام الشريعة 2: 60 الحكم الخامس: الدفن.
(41) المستدرك على الصحيحين 3: 176 فضائل الحسين بن عليّ.

يتبع


رد مع اقتباس
قديم 10-09-2017, 05:21 PM   رقم المشاركة : 2
الكاتب

الشيخ عباس محمد


الملف الشخصي









الشيخ عباس محمد غير متواجد حالياً


افتراضي

سؤال: أدلّة جواز التباكي على الإمام الحسين(عليه السلام)
هل توجد عندنا روايات في جواز أو استحباب التباكي حزناً على الإمام الحسين(عليه السلام)؟
الجواب:

توجد روايات كثيرة في الجواز والاستحباب, منها: ما ورد في خبر أبي عمارة المنشد عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث: (ومن أنشد في الحسين(عليه السلام) شعراً فبكى فله الجنّة، ومن أنشد في الحسين شعراً فتباكى فله الجنّة)(1).
ومنها خبر صالح بن عقبة، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: (من أنشد في الحسين(عليه السلام) بيتاً من شعرٍ فبكى وأبكى عشرة فله ولهم الجنّة، فلم يزل حتى قال: ومن أنشد في الحسين بيتاً فبكى, وأظنّه قال: أو تباكى، فله الجنّة)(2).
وقال ابن طاووس في (اللهوف): ((ورُوي أيضاً عن آل الرسول عليهم السلام, أنهم قالوا: من بكى أو أبكى فينا مائة ضمنّا له على الله الجنّة، ومن بكى أو أبكى خمسين فله الجنّة، ومن بكى أو أبكى ثلاثين فله الجنّة، ومن بكى أو أبكى عشرة فله الجنّة، ومن بكى أو أبكى واحداً فله الجنّة، ومن تباكى فله الجنّة))(3).
والمراد من التباكي: إظهار البكاء باستشعار الحزن في القلب وحثّ النفس على البكاء، أو فعل: تكلّف البكاء، وليكن ذلك بدافع التقرّب إلى الله جلّ وعلا ليكون عبادة.
والتباكي هنا كالتباكي من خشية الله, على ما في وصية النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأبي ذرّ: (يا أبا ذرّ! ومن أُوتي من العلم ما لا يعمل به لحقيقٌ أن يكون أُوتي علماً لا ينفعه الله عزّ وجلّ به - إلى أن قال: - يا أبا ذرّ! من استطاع أن يبكي قلبه فليبكِ، ومن لم يستطع فليُشعر قلبه الحزن وليتباك. يا أبا ذرّ, إنّ القلب القاسي بعيدٌ من الله, ولكن لا تشعرون)(4).

(1) كامل الزيارات: 209 الباب (33) حديث (298)، أمالي الصدوق: 205 المجلس(29) حديث (222) في ذكر الحسين(عليه السلام).
(2) ثواب الأعمال: 85 ثواب من أنشد في الحسين شعراً، أو بكى، أو تباكى.
(3) اللهوف في قتلى الطفوف: 10 (المقدّمة).
(4) أمالي الطوسي: 529ـ 530 المجلس(19) حديث (1162)، مكارم الاخلاق للطبرسي: 462 الباب (12).

السؤال: جواز الندب والنوح على الإمام الحسين(عليه السلام)
يا حبّذا لو تذكروا لي بعض أدلّة جواز الندب والنوح على الإمام الحسين(عليه السلام)؟
الجواب:

توجد روايات كثيرة تشير إلى جواز ندب سيّد الشهداء(عليه السلام) والنوح عليه، حزناً على ما جرى عليه وعلى أهل بيته وأصحابه في واقعة الطف الدامية، منها:
ما ورد في خبر صالح بن عقبة، عن أبيه، عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام)، في حديث: (ثمّ ليندب الحسين(عليه السلام) ويبكيه، ويأمر مَن في داره ممّن لا يتّقيه بالبكاء عليه، ويقيم في داره المصيبة بإظهار الجَزَع عليه)(1).
وفي مقتل الحسين للخوارزمي، قصيدة دعبل التي قالها بين يدي الإمام الرضا(عليه السلام), ومنها:
أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً ***** وقد مات عطشاناً بشطّ فراتِ
إذاً للطمت الخد فاطم عنده ***** وأجريت دمعَ العين في الوجناتِ
أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبي ***** نجوم سماوات بأرض فلاةِ(2)
وأقرّه المعصوم(عليه السلام) على ندب سيّدة النساء(عليها السلام) لو كانت حاضرة، والندب هو: البكاء على الميّت مع تعداد محاسنه، كما في لسان اللسان(3)، والصحاح للجوهري(4)، والنصّ للأوّل: (ونَدَبَ الميّت، أي: بكى عليه، وعدّد محاسنه).
ولكن باعتبار مصاحبته لرفع الصوت بالبكاء - الذي هو النوح - سُمي الندب: نوحاً، وصاحبته: نائحة.
والندب جائز عند مشهور فقهاء الشيعة أعزّهم الله، للأخبار؛ منها: ندب سيّدة النساء(عليها السلام) على أبيها(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، على ما في العقد الفريد: وقفت فاطمة(عليها السلام) على قبر أبيها(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقالت:
إنّا فقدناك فقدَ الأرض وابلها ***** وغابَ مُذ غِبتَ عنّا الوحي والكُتبُ
فليت قبلك كان الموت صَادَفَنا ***** لمّا نُعيت وحالت دونك الكُثُبُ
عن حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال:
((لمّا فرغنا من دفن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أقبلت علَيَّ فاطمة، فقالت: يا أنس! كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على وجه رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) التراب؟ ثمّ بكت ونادت: (يا أبتاه! أجاب ربّاً دعاه، يا أبتاه! من ربّه ما أدناه، يا أبتاه! مَن ربُّه ناداه، يا ابتاه! إلى جبريل ننعاه، يا أبتاه! جَنّةُ الفردوس مأواه)، قال: ثمّ سكتت، فما زادت شيئاً))(5).
وفي (إعلام الورى) للطبرسي:
وروى ثابت، عن أنس، قال: قالت فاطمة(عليها السلام) - لمّا ثقل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وجعل يتغشّاه الكرب ــ: (يا أبتاه! إلى جبرئيل ننعاه، يا أبتاه! من ربّه ما أدناه، يا أبتاه! جنان الفردوس مأواه، يا أبتاه أجاب ربّاً دعاه) ))(6).
وفي السيرة النبويّة، لدحلان:
لمّا دُفن(صلى الله عليه وآله وسلّم)، قالت فاطمة رضي الله عنها: أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) التراب؟ وأخذت من تراب القبر الشريف، ووضعته على عينيها، وأنشأت تقول:
ماذا على من شمّ تربة أحمدٍ ***** أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا
صُبّت عليّ مصائب لو أنّها ***** صُبّت على الأيام عدن لياليا(7)
وفي (عيون الأثر) لابن سيّد الناس: ولمّا دفن(عليه السلام) قالت فاطمة ابنته(عليها السلام):
أغبر آفاق السّماء وكُوّرت ***** شمس النهار وأظلم العصرانِ
فالأرض من بعد النبيّ كئيبةٌ ***** أسفاً عليه كثيرة الرجفانِ
فليبكه شرق البلاد وغربها ***** وليبكه مُضر وكلُّ يمانِ
وليبكه الطود المعظم جوه***** والبيت ذو الأستار والأركانِ
يا خاتم المبارك ضوءه***** صلّى عليك منزل الفرقانِ(8)
ومنها: ما رواه الكليني بإسناده عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: (قال لي أبي: يا جعفر، أوقف لي من مالي كذا وكذا النوادب، تندبني عشر سنين بمنى أيام منى)(9).
والأخبار التي يشير ظاهرها إلى حرمة الندب والنوح، محمولة على ما لو كان النوح مشتملاً على الكذب، أو على ذكر تعداد أفعال الميّت القبيحة وصفاته المذمومة شرعاً، بذكر تهتّكه في المحرّمات من الزنا واللواط وقتل النفوس والسرقة والنهب ونحو ذلك، كما كان ذلك في الجاهلية؛ على ما في الجواهر(10).
ودليل الحمل: ما ورد من الأخبار المُجوّزة، منها: ما رواه الصدوق، قال: ((سُئل الصادق(عليه السلام) عن أجر النائحة، فقال: (لا بأس به؛ قد نيح على رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ))(11).
ومنها خبر خديجة بنت عمر بن زين العابدين(عليه السلام) أنّها قالت: ((سمعت عمّي محمّد بن عليّ صلوات الله عليه وهو يقول: إنّما تحتاج المرأة في المأتم إلى النوح لتسيل دمعتها، ولا ينبغي لها أن تقول هَجراً، فإذا جاء الليل فلا تؤذي الملائكة بالنوح))(12).
ومنها خبر أبي حمزة، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: (مات الوليد بن المغيرة، فقالت أُمّ سلمة للنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): إنّ آل المغيرة قد أقاموا مناحة، فأذهب إليهم؟
فأذن لها، فلبست ثيابها وتهيّأت، وكانت من حسنها كأنها جانّ، وكانت إذا قامت فأرخت شعرها جلّل جسدها، وعقدت بطرفيه خلخالها، فندبت ابن عمها بين يدي رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقالت:
أنعى الوليد بن الوليد ***** أبا الوليد فتى العشيرة
حامي الحقيقة ماجد ***** يسمو إلى طلب الوتيرة
قد كان غيثاً في السنين ***** وجعفراً غدقاً وميرة
قال: فما عاب ذلك عليها النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذلك، ولا قال شيئاً)(13).
ومنها خبر أبي بصير، قال: ((قال أبو عبد الله(عليه السلام): (لا بأس بأجر النائحة التي تنوح على الميّت) ))(14).
ومنها خبر الصدوق، قال: ((قال(عليه السلام): (لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقاً) ))(15).
ومنها خبر حنان بن سدير، قال: ((كانت امرأة معنا في الحيّ ولها جارية نائحة، فجاءت إلى أبي، فقالت: يا عم، أنت تعلم أنّ معيشتي من الله عزّ وجلّ، ثمّ من هذه الجارية النائحة، وقد أحببت أن تسأل أبا عبد الله(عليه السلام) عن ذلك،؟فإن كان حلالاً، وإلاّ بعتُها وأكلتُ من ثمنها، حتـّى يأتي الله بالفرج.
فقال لها أبي: واللهِ إنّي لأعظَم أبا عبد الله(عليه السلام) أن أسأله عن هذه المسألة.
قال: فلمّا قدمنا عليه أخبرته أنا بذلك، فقال أبو عبد الله(عليه السلام): أتشارط؟
قلت: والله ما أدري تشارط أم لا؟
فقال: قل لها: لا تشارط وتقبل ما أُعطيت))(16).
ومنها ما رواه الشهيد الثاني في (مُسكّن الفؤاد) من أنّ فاطمة(عليها السلام) ناحت على أبيها، وأنّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمر بالنوح على حمزة(17).
ومنها خبر الحسن بن زيد، قال: ((ماتت ابنةٌ لأبي عبد الله(عليه السلام) فناح عليها سنة، ثمّ مات له ولد آخر فناح عليه سنة، ثمّ مات إسماعيل فجزع عليه جزعاً شديداً، فقطع النوح، قال: فقيل لأبي عبد الله(عليه السلام): أصلحك الله، أيُناح في دارك؟
فقال: إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال لمّا مات حمزة: (ليبكين حمزة لا بواكي له) ))(18).
ومنها خبر محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: (قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: مروا أهاليكم بالقول الحسن عند موتاكم؛ فإنّ فاطمة(سلام الله عليها) لمّا قُبض أبوها(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أسعدتها بناتُ هاشم، فقالت: اتركن التعداد، وعليكنّ بالدعاء)(19).
ومنها خبر الفقيه: ((لمّا انصرف رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من وقعة أُحد إلى المدينة سمع من كلّ دار قُتل من أهلها قتيلٌ نوحاً وبكاءً، ولم يسمع من دار حمزة عمّه، فقال(صلى الله عليه وآله وسلّم): (لكن حمزة لا بواكي له)، فآلى أهل المدينة أن لا ينوحوا على ميّت ولا يبكوه، حتـّى يبدؤوا بحمزة فينوحوا عليه ويبكوه، فهم إلى اليوم على ذلك))(20).
هذا بالإضافة إلى الروايات الواردة في الندب على سيّد الشهداء(عليه السلام)، وقد نُدب ونيح على سيّد الشهداء على ما في (دعائم الإسلام): عن جعفر بن محمّد(عليه السلام) أنّه قال: (نيح على الحسين بن عليّ سنة كاملة كلّ يوم وليلة، وثلاث سنين من اليوم الذي أصيب فيه)(21).
ومن الندب على سيّد الشهداء(عليه السلام): ما في (مقتل الحسين) للخوارزمي: ((وأقبل فرس الحسين وقد عدا من بين أيديهم أن لا يؤخذ، فوضع ناصيته في دم الحسين، وذهب يركض إلى خيمة النساء، وهو يصهل ويضرب برأسه الأرض عند الخيمة، فلمّا نظرت أخوات الحسين وبناته وأهلُه إلى الفرس ليس عليه أحدٌ، رفعن أصواتهنّ بالصراخ والعويل، ووضعت أُمّ كلثوم يدها على أُمّ رأسها، ونادت: وا محمّداه! وا جداه! وا نبيّاه! وا أبا القاسماه! وا عليّاه! وا جعفراه! وا حمزتاه! وا حسناه! هذا حسين بالعراء، صريعٌ بكربلاء، محزوز الرأس من القفا، مسلوب العمامة والرداء، ثمّ غُشي عليها))(22).
وفيه أيضاً:
((ثمّ أذن عمر بن سعد بالناس في الرحيل إلى الكوفة, وحمل بنات الحسين وأخواته، وعلي بن الحسين، وذراريهم، فلمّا مرّوا بجثّة الحسين وجثث أصحابه، صاحت النساء، ولطمن وجوههنّ، وصاحت زينب: يا محمّداه! صلّى عليك مليك السماء، هذا حسين بالعراء، مُزمّلٌ بالدماء، مُعفّرٌ بالتراب، مُقطّع الأعضاء، يا محمّداه! بناتك في العسكر سبايا، وذرّيّتك قتلى، تُسفى عليهم الصبا، هذا ابنك محزوز الرأس من القفا، لا هو غائبٌ فيُرجى، ولا جريحٌ فيداوى.
وما زالت تقول هذا القول حتـّى أبكت والله كلَّ صديق وعدو، حتّى رأينا دموع الخيل تنحدر على حوافرها))(23).

(1) مصباح المتهجّد: 772 شرح زيارة أبي عبد الله(عليه السلام) يوم عاشوراء.
(2) مقتل الحسين 2: 148 الفصل (13).
(3) لسان اللسان 1: 754 مادة (ندب).
(4) صحاح الجوهري 1: 224 مادة (ندب).
(5) العقد الفريد 3: 194 - 195 كتاب الدرّة في النوادي والتعازي والمراثي.
(6) أعلام الورى 1: 268 وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ودفنه.
(7) السيرة النبويّة 3: 364 - 365، بهامش السيرة الحلبية طبعة مصر.
(8) عيون الأثر 2: 423 ذكر مصيبة الأوّلين والآخرين من المسلمين بوفاة رسول الله(صلّي الله عليه وآله وسلّم).
(9) الكافي 5: 117 كتاب المعيشة، باب كسب النائحة حديث (1).
(10) انظر: جواهر الكلام 22: 55 حرمة نوح النائحة بالباطل.
(11) من لا يحضره الفقيه 1: 183 حديث (551).
(12) الكافي 1: 358 باب ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل حديث (17).
(13) الكافي 1: 117 كتاب المعيشة، باب كسب النائحة حديث (2).
(14) من لا يحضره الفقيه 3: 161 حديث (3589)، الاستبصار 3: 60 حديث (199) باب أجر النائحة.
(15) من لا يحضره الفقيه 1: 183 حديث (552)، 3: 161 حديث (3591).
(16) الكافي 5: 117 باب كسب النائحة حديث (3).
(17) مسكّن الفؤاد: 103 فصل (النواح جائز).
(18) كمال الدين: 73 اعتراضات الزيدية.
(19) الكافي 3: 218 باب (ما يجب على الجيران لأهل المصيبة حديث (6)، الخصال للصدوق: 618 حديث أربعمائة.
(20) من لا يحضره الفقيه 1: 183 حديث (553).
(21) دعائم الإسلام 1: 227 ذكر التعازي والصبر.
(22) مقتل الحسين 2: 42 - 43.
(23) مقتل الحسين 2: 44 - 45
.
السؤال: بكاؤنا على الإمام الحسين(عليه السلام) من مصاديق المودّة
قد يتساءل الفرد: ما دام الإمام الحسين(عليه السلام) الآن في نعيم الله وجنانه، فكيف نبكي على مصابه؟
أو بعبارة أُخرى: كيف يتوافق البكاء على مصابه(عليه السلام)، مع كونه في أعلى الدرجات من النعيم؟
ولكم منّي جزيل الشكر.
الجواب:

قد روى علماء المسلمين في كتبهم: أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (لا يؤمن أحدكم حتّى يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما)(1).
وكان رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) دائماً يوصي أُمّته بمودّة ذوي القربى؛ قال تعالى: (( قُل لاَّ أَسأَلُكُم عَلَيهِ أَجراً إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُربَى )) (الشورى:23)، والإمام الحسين(عليه السلام) من القربى بإجماع المسلمين، ومن مودّته أن: نحبّه، ونقتدي به، ونفرح لفرحه، ونحزن لحزنه وما يصيبه..
فبكاؤنا على الحسين(عليه السلام) من مصاديق المودّة في القربى، أضف إلى ذلك، الروايات الكثيرة الواردة عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأهل البيت(عليهم السلام) في التأكيد على البكاء عليه، وما فيه من الثواب.
ونحن نبكي لِما أصابه من مصيبة في الدنيا، لا على ما يناله من جميل الثواب في الآخرة، وهكذا كلّ البشر يبكون على مفارقة الأحبّة بالموت؛ فقد بكى النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) على ابنه إبراهيم مع علمه أنّه سبقه إلى الجنّة، وكذلك بكت الزهراء(عليها السلام) على أبيها مع علمها بأنّ لأبيها مقاماً في الآخرة لا يناله أحد غيره.

(1) مسند أحمد بن حنبل 3: 207 و 278 مسند أنس بن مالك، مسكن الفؤاد: 27.


السؤال: لماذا البكاء على الحسين (عليه السلام) وهو في الجنّة؟

يسألني كثير من السُنّة وكذلك من الديانات الأُخرى، وخصوصاً أيّام محرّم، لماذا نبكي ونلطم على الإمام الحسين إذا هو في الجنّة، ونلعن يزيد إذا هو بالنار - الاثنين أمرهم بيد الرحمن - هو يعرف من هو الظالم؟
الجواب:

الحسين(عليه السلام) هو سيّد شباب أهل الجنّة بنصّ الحديث الشريف الصحيح، ويزيد أمر بقتله وقتل أهل بيته فهو في النار يقيناً، ولا مجال للمساومة في هذه الأُمور بعد وضوح الحقّ والباطل فيها.. والمكابر في ذلك منكر للواضحات وعليه أن يلغي عقله ويتصرّف في أُمور دنياه من دونه.
أمّا البكاء على الحسين(عليه السلام) واللطم وإقامة العزاء والشعائر، فهذا كلّه مستحبّ مندوب حثّت عليه الأحاديث الصحيحة المتضافرة المتواترة عموماً وخصوصاً.. فنحن نعلم أنّ الحسين(عليه السلام) في الجنّة، بل هو سيّد شبابها, وبكاؤنا عليه هو إحياء لثورته ونهضته وعهد المؤمنين بالسير على خطاه، فهذه المعاني وغيرها الكثير الكثير ممّا تتضمنها مسألة البكاء واللطم وإقامة الشعائر.

لسؤال: البكاء على الإمام الحسين(عليه السلام) لا يرتبط بالأزمنة
لماذا نبكي على أئمّة أهل البيت ونقوم بالتعزية عليهم مع العلم أنّ تلك الحادثة، مثل مصيبة الإمام الحسين(عليه السلام)، كانت في الماضي؟
ونسألكم الدعاء، والشكر الجزيل.
الجواب:

يمكن الإجابة على سؤالك من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: لقد بكى على الحسين(عليه السلام) الرسول الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل استشهاده، وقد ثبت ذلك من طرقنا(1)، ومن طرق العامّة(2)، ويمكننا تأسّياً بالرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن نبكي على الحسين(عليه السلام)، ولا علاقة للزمان وبُعده عن واقعة استشهاده؛ لأنّه لو كان للزمان علاقة لكان الأولى بالرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن لا يبكي على الحسين(عليه السلام) قبل حصول الواقعة، بل الذي يدعونا - كما دعا الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) - للبكاء هو: مظلومية الإمام الحسين(عليه السلام).
الوجه الثاني: قد ورد أيضاً أنّ بعض الأنبياء(عليهم السلام) قد بكوا على الإمام الحسين(عليه السلام)(3)، وبُعد الأنبياء عن واقعة استشهاد الإمام الحسين(عليه السلام) أكثر من بعدنا عن تلك الواقعة؛ مع الاختلاف في السبق واللحوق.
الوجه الثالث: قد ورد أيضاً أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بكى على ابنه إبراهيم(4)، وعلى عثمان بن مظعون(5)، كما بكى على جعفر(6) وحمزة(7)، وأمر النساء بالبكاء عليهما حتّى صار البكاء على حمزة من عادة نساء أهل المدينة.
الوجه الرابع: بعد أن ثبت عندنا بالدليل القاطع عصمة أئمتنا(عليهم السلام) يمكننا الأخذ برواياتهم وسيرتهم، وقد كان دأب المعصومين(عليهم السلام) بعد واقعة الطف البكاء على الحسين(عليه السلام)(8)، وكان بعضهم يقيم مآتم العزاء(9)، وكانوا يأمرون شيعتهم بالبكاء وإقامة العزاء وحضور مجالس العزاء(10)، حتّى ورد عندنا فضل للتباكي على الحسين(عليه السلام)(11)، ونحن - تبعاً لهم(عليهم السلام) - نسير على خطاهم ونهتدي بهديهم ونأتمر بأوامرهم؛ فقضية البكاء على الحسين(عليه السلام) من القضايا الفرعية التي يمكن إثباتها بعد إثبات الأُصول التي تعتمد عليها، ولا تتوقّف تلك الأُصول على جواز أو عدم جواز البكاء حتّى يستلزم محذور الدور.

(1) انظر: أمالي الصدوق: 177 المجلس(24) حديث (178)، الفضائل لابن شاذان: 11، مثير الأحزان: 9 المقصد الأوّل، بحار الأنوار 44: 247.
(2) انظر: مسند أحمد بن حنبل 1: 85 مسند عليّ بن أبي طالب، مسند أبي يعلى 1: 298 حديث (363)، مجمع الزوائد 9: 187 - 188 باب مناقب الإمام الحسين(عليه السلام)، الآحاد والمثاني 1: 308 حديث (427)، كنز العمّال 12: 127 حديث (34321)، 731 حديث (42908)، المعجم الكبير 3: 107 ترجمة الإمام الحسين، تاريخ مدينة دمشق 14: 189 ترجمة الإمام الحسين.
(3) انظر: كمال الدين: 461 حديث (21) الباب (43) ذكر من شاهد القائم(عليه السلام)، الخصال: 58 حديث 79 باب الاثنين، عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 1: 197 الباب (17).
(4) انظر: الكافي 3: 262 كتاب الجنائز باب النوادر، تحف العقول: 37، مسند أحمد 1: 194 مسند أنس بن مالك، صحيح البخاري 2: 84 باب الجنائز، صحيح مسلم 7: 76 كتاب الفضائل، سنن ابن ماجة 1: 506 حديث (1589)، سنن أبي داود 2: 64 حديث (3126) كتاب الجنائز، السنن الكبرى البيهقي 4: 69.
(5) انظر: مسند أحمد بن حنبل 6: 43 حديث عائشة، سنن ابن ماجة 1: 468 حديث (1456)، سنن أبي داود 2: 71 حديث (3163) كتاب الجنائز، سنن الترمذي 2: 229 أبواب الجنائز، المستدرك على الصحيحين 3: 407، مجمع الزوائد 3: 19، الاستذكار 3: 120 حديث (529)، المصنّف للصنعاني 3: 596.
(6) انظر: تاريخ اليعقوبي 2: 65 غزوة مؤتة، ذخائر العقبى: 218، الاستيعاب 1: 243، أُسد الغابة 1: 289، أنساب الأشراف: 43 ترجمة جعفر.
(7) انظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 15: 17، تاريخ الطبري 2: 210 أحداث سنة (3) غزوة أُحد، الكامل في التاريخ 2: 163، السيرة النبوية لابن هشام 32: 613، كمال الدين: 73، مسند أحمد 2: 40 مسند عبد الله بن عمر، المستدرك على الصحيحين 3: 197، المصنّف للصنعاني 3: 561 حديث (6694)، مسند ابن راهويه 2: 599 حديث (631)، المعجم الكبير 11: 310، الطبقات الكبرى 2: 44.
(8) انظر: الخصال للصدوق: 518 الباب (23)، أمالي الصدوق: 191 المجلس(27) حديث (199)، كفاية الأثر: 249 ما جاء عن الباقر(عليه السلام)، المزار: 500 الباب (18).
(9) انظر: اللهوف: 99، 114، الكافي 1: 466 باب مولد الإمام الحسين(عليه السلام)، أمالي الصدوق: 220 المجلس(31)، تاريخ الطبري 4: 297 أحداث سنة (61).
(10) انظر: كامل الزيارات: 203 حديث (291) الباب (32)، كفاية الأثر: 248 ما جاء عن الباقر(عليه السلام).
(11) كامل الزيارات: 201 حديث (285 - 296) الباب (32).

لسؤال: بكاء الزهراء (عليها السلام)
يرد في بعض المجالس بأنّ: (الزهراء إن شاء الله تكون حاضرة معنا وتبكي ابنها ونحن نواسيها ببكائنا).
أنا أعلم بأنّنا نبكي الإمام الحسين لكي ترتقي روحنا وتلتحم قليلاً مع الروح الحسينية, فلماذا تبكيه الزهراء(عليها السلام)؟ ولماذا نواسيها ونعزّيها ونحن متأكّدين بأنّه الى جانبها اليوم في ديار الخلد؟
الجواب:

نحن نعلم أنّ الحسين(عليه السلام) اليوم في الجنّة ولكن مع ذلك نحن نبكيه، وكذلك الزهراء(سلام الله عليها)، فبكاؤها على الحسين(عليه السلام) ليس لأجل لوعة الفراق، بل إنّ المصيبة اليوم إذا عرضت على أيّ محبّ للحسين(عليه السلام) فسوف يبكي حتى مع علمه بأنّ مصيره انتهى إلى الجنّة. فالقلب يتألّم لتألّم الحسين(عليه السلام) وعياله في تلك الأيام، وإن كانوا الآن في نعيم.

السؤال: كيفية بكاء الأفلاك على الحسين(عليه السلام)
الرجاء التوضيح الشافي والوافي في ما ورد في مقتل الإمام الحسين(عليه السلام): (بكت لموته الأرض والسماوات، وأمطرت دماً، وأظلمت الأفلاك من الكسوف، واشتدّ سواد السماء ودام ذلك ثلاثة أيّام، والكواكب في أفلاكها تتهافت، وعظمت الأهوال حتّى ظنّ أنّ القيامة قد قامت).
مع توضيح كيفية بكاء السماء دماً..
الجواب:
سؤالك يتكوّن من سبت فقرات تريد إيضاحها:
أولاً: بكت لموته الأرض والسماء.
قد ورد عنهم(عليهم السلام): أنّ بكاء الأرض كان بتفجّرها دماً، وما رفع حجر عن الأرض إلاّ كان تحته دماً عبيطاً(1)، وقد فسّر في خبر آخر بالسواد.
أمّا بكاء السماء، فعن الإمام الصادق(عليه السلام) بعد أن سئل عن بكاء السماء؟ قال: (كانت الشمس تطلع حمراء وتغيب حمراء)(2)، وقد فسّر بكاء السماء في أخبار أُخر بوقوع الدم، فعن الإمام علي بن الحسين(عليه السلام) بعد سؤاله عن أيّ شيء بكاؤها؟ قال: (كانت إذا استقبلت بثوب وقع على الثوب شبه أثر البراغيث من الدم)(3).
وفي خبر آخر نسب البكاء بالحمرة إلى الشمس؛ فقال: (إنّ السماء بكت على الحسين أربعين صباحاً بالدم، إنّ الأرض بكت أربعين صباحاً بالسواد، إنّ الشمس بكت أربعين صباحاً بالكسوف والحمرة)(4)، والذي يجمع بين الأخبار أنّ كلا الأمرين قد حصل.
ثانياً: وأمطرت دماً.
قالت أُمّ سليم: ((مطرت السماء مطراً كالدم احمرّت منه البيوت والحيطان))(5).
وقال قرضة بن عبيد الله: ((ذهبت الإبل إلى الوادي لتشرب فإذا هو دم))(6).
وقال آخر: ((وحبابنا وجرارنا صارت مملوءة دماً))(7).
ثالثاً: أظلمت الأفلاك من الكسوف.
روى البيهقي عن أبي قبيل: أنّه لمّا قُتل الحسين بن عليّ(رضي الله عنهما) كسفت السماء كسفة بدت الكواكب نصف النهار، حتى ظننّا أنها هي))(8).
رابعاً: اشتدّ سواد السماء ودام ذلك ثلاثة أيّام(9).
ولعلّ العبارتين بمعنى واحد وهو: ذهاب نور الشمس وانكسافه، وصيرورة النهار ليلاً، كما في بعض الأخبار.
خامساً: والكواكب في أفلاكها تتهافت.
لم نعثر على مكان وجود هذه العبارة في المقتل، ومع وجودها فيمكن أن يفهم منها: ظهور الشهب بكثرة في السماء، الذي كان يفهم منه في ذلك الزمان: سقوط الكواكب.
سادساً: عظمت الأهوال حتّى ظُنّ أنّ القيامة قد قامت.
بعد كلّ هذه الحوادث الغريبة عليهم والمروّعة، علموا بفداحة الأمر الذي حصل، وتوقّعوا الهلاك العاجل، حتّى جاء عن بعضهم قوله: حتّى ظنّنا أنّها هي، يعني القيامة(10).

(1) انظر: مجمع الزوائد 9: 196، المعجم الكبير 3: 113 حديث (2834)، نظم درر السمطين: 320، تاريخ مدينة دمشق 14: 230، تاريخ الإسلام 5: 16، ينابيع المودّة 3: 20، أمالي الصدوق: 231 المجلس(31).
(2) مناقب آل أبي طالب 3: 212، مدينة المعاجز 3: 445 الباب (3).
(3) كامل الزيارات: 184 الباب (28) حديث (254).
(4) كامل الزيارات: 167 الباب (26) حديث (219)، بحار الأنوار 14: 183.
(5) مناقب آل أبي طالب 3: 212.
(6) بحار الأنوار 45: 215 الباب (40).
(7) مناقب آل أبي طالب 3: 212.
(8) السنن الكبرى البيهقي 3: 337 كتاب صلاة الكسوف.
(9) ينابيع الموّدة 3: 20 الباب (60)، الصواعق المحرقة 2: 568 الباب (11).
(10) مناقب آل أبي طالب 3: 212، السنن الكبرى 3: 337.

السؤال: تعريف الجزع واستحبابه على الإمام الحسين(عليه السلام)
ما هو المراد من الجزع على الإمام الحسين(عليه السلام)؟ وهل توجد عندنا روايات في جوازه أو رجحانه؟
الجواب:

الجَزَعُ: نقيض الصبر، فهو إظهار الحزن، وألم المصيبة.
ففي كتاب العين، ولسان العرب: ((والجَزَعُ: نقيض الصبر))(1).
وفي أقرب الموارد: ((لم يصبر فأظهر الحزن))(2).
وفي منجد اللغة: ((لم يصبر عليه، فاظهر الحزن أو الكدر))(3).
وإظهار الحزن قد يكون برفع الصوت بالبكاء، المسمّى بـ(النوح)، وقد يكون بالبكاء مع الصراخ، المسمّى بـ(العويل)، وقد يكون بالبكاء مع تعداد محاسن الميّت، المسمّى بـ(الندب)، وقد يكون بالقول، كمن يدعو بالويل والثبور، فيقول: يا ويلاه، واثبوراه، والويل: الهلاك، وكذا الثبور، وقد يكون بالعمل، بأن يضرب يده على جبينه، أو خدّه، أو فخذه، أو يُمزقَ قميصه أو ثوبه، أو ينتف شعره، أو يجزّه، أو يمتنع عن الطعام، أو غيره.
وتوجد روايات متعدّدة في استحباب الجزع على الإمام الحسين(عليه السلام)، منها: ما ورد في خبر معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله(عليه السلام): (كلّ الجزع والبكاء مكروه، سوى الجزع والبكاء على الحسين(عليه السلام))(4).
وقد نقله الحرّ العاملي في وسائله، تارة في أبواب الدفن بعبارة: ((سوى الجزع والبكاء على الحسين(عليه السلام) ))(5)، وأُخرى في أبواب المزار بعبارة: ((ما خلا الجزع والبكاء لقتل الحسين(عليه السلام) ))(6).
ومنها خبر علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، سمعته يقول: (إنّ البكاء والجزع مكروه للعبد في كلّ ما جزع، ما خلا البكاء والجزع على الحسين بن عليّ(عليهما السلام)؛ فإنّه فيه مأجور)(7).
ومنها خبر صالح بن عقبة: (ويُقيم في داره المصيبة بإظهار الجزع عليه)(8).
ومنها خبر خالد بن سدير، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث: (وقد شققن الجيوبَ، ولطمن الخدودَ - الفاطمياتُ - على الحسين بن عليّ(عليهما السلام)، وعلى مثله تُلطم الخدود، وتُشقّ الجيوب)(9).
ومنها خبر مسمع بن عبد الملك كردين البصري: ((قال لي أبو عبد الله(عليه السلام): أما تذكر ما صُنع به - الحسين -؟ قلت: نعم.
قال: فتجزع؟
قلت: إي واللهِ، واستعبر لذلك، حتّى يرى أهلي أثر ذلك عليّ، فامتنع عن الطعام، حتـّى يستبينَ ذلك في وجهي.
قال(عليه السلام): رحم الله دمعتك، أما إنك من الذين يُعدّون من أهل الجزع لنا، والذين يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويخافون لخوفنا، ويأمنون إذا أمنّا))(10).
ومنها خبر معاوية بن وهب: ((استأذنت على أبي عبد الله(عليه السلام)، فقيل لي: ادخل. فدخلت، فوجدته في مصلاه في بيته، فجلست حتـّى قضى صلاته، فسمعته وهو يناجي ربّه، وهو يقول: (يا من خصّنا بالكرامة - إلى أن قال: - اغفر لي ولإخواني ولزوّار قبر أبي (عبد الله) الحسين(عليه السلام) - إلى أن قال: - وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمةً لنا، وارحم تلك القلوب التي جَزَعت واحترقت لنا، وارحم الصرخة التي كانت لنا)...)) الخبر(11).
وما قاله دعبل في محضر الإمام الرضا(عليه السلام)، مع سكوت المعصوم وإقراره:
أفاطم لو خلت الحسين مُجدّلاً ***** وقد مات عطشاناً بشطّ فراتِ
اذاً للطمتِ الخَدّ فاطمُ عنده ***** وأجريت دمع العين في الوجناتِ(12)
(1) كتاب العين 1: 217 مادة (جزع)، لسان العرب 8: 47 مادة (جزع).
(2) أقرب الموارد 1: 120.
(3) منجد اللغة: 89 مادة (جزع).
(4) أمالي الطوسي: 162 حديث (20) المجلس السادس.
(5) وسائل الشيعة 2: 282 حديث (9) الباب (87) من أبواب الدفن.
(6) وسائل الشيعة 14: 505 حديث (10) الباب (66) من أبواب المزار.
(7) كامل الزيارات: 201 حديث (2) الباب (32).
(8) مصباح المتهجّد: 772 شرح زيارة أبي عبد الله(عليه السلام) يوم عاشوراء.
(9) تهذيب الأحكام 8: 325 حديث (1207) كتاب الأيمان والنذور والكفّارات.
(10) كامل الزيارات: 203 - 206 حديث (7) الباب (32).
(11) الكافي 4: 582 باب فضل زيارة أبي عبد الله الحسين(عليه السلام).
(12) مقتل الخوارزمي 2: 148، كشف الغمّة 3: 112 ذكر الإمام الثامن أبي الحسن(عليه السلام).

يتبع


رد مع اقتباس
قديم 10-09-2017, 05:22 PM   رقم المشاركة : 3
الكاتب

الشيخ عباس محمد


الملف الشخصي









الشيخ عباس محمد غير متواجد حالياً


افتراضي

السؤال: كلّ الجزع مكروه الإّ على مقتل الحسين(عليه السلام)
ورد: (كلّ الجزع مكروه سوى الجزع على الحسين(عليه السلام)).
السؤال: إنّ الاستثناء جاء بالجزع على الحسين(عليه السلام)، فهل يدخل الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو بقيّة الأئمّة، أو العلماء في هذا الاستثناء؟وما هو الدليل؟
الجواب:

لعلّ لمصيبة سيّد الشهداء خصوصية تختلف عن بقيّة مصائب أهل البيت(عليه السلام)، كونها فاقت جميع مصائبهم(عليهم السلام)، فلذلك صار الجزع عليها يختلف عن كلّ جزع، ولكن هذا الرأي يمكن أن يُدفع بأنّه ورد عندنا: أنّ الجزع على غير الحسين(عليه السلام) غير قبيح.
فعن أمير المؤمنين(عليه السلام)، أنّه قال عند وقوفه على قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ الصبر لجميل إلاّ عنك، وإنّ الجزع لقبيح إلاّ عليك..)(1).
ومن أجل الجمع بين الروايتين لا بدّ أن نقول: أنّ كلّ المعصومين الأربعة عشر(عليهم السلام) بمثابة نور واحد، ومقام ومرتبة واحدة، فما يثبت لأحدهم يثبت للآخر، وقد ورد عندنا عن الإمام الصادق(عليه السلام)، أنّه قال: (وعلى مثله تلطم الخدود وتشقّ الجيوب)(2)؛ إذ أجاز الجزع على كلّ من يكون بمرتبة الحسين(عليه السلام)، كباقي المعصومين(عليهم السلام).

(1) نهج البلاغة 4: 71 الحكمة 292.
(2) تهذيب الأحكام 8: 325 حديث (1207) كتاب الأيمان باب الكفارات.

السؤال: لا جزع في إقامة مجالس العزاء على الحسين(عليه السلام)
أرجو أن يكون الاستدلال عن طريق كتب أهل السُنّة، لماذا الشيعة يحيون ذكرى شهادة الحسين؟ أليس هذا من الجزع؟
الجواب:

كأنّك تريد أن تقول: إنّ العزاء جزع، والجزع منهي عنه، فالعزاء منهي عنه.
وهذا الاستدلال فاسد من حيث سقوط صغراه!
وذلك: لأنّ العزاء ومأتم الحسين(عليه السلام) هو عبارة عن: ذكر الإمام الحسين(عليه السلام)، وذكر فضائله ومقامه، ثمّ العروج على واقعة الطفّ، وإظهار الحزن وذرف الدموع عليه.
فإذا كان العزاء هو ذلك، فنأتي إلى مفرداته:
المفردة الأُولى: هي ذكر فضائل الحسين(عليه السلام)، والصفات المعنوية التي تحلّى بها..
وهذا ليس فيه شيء مخالف للدين، وليس فيه نهي، بل هو أمر مشروع، وطبق الموازين الشرعية، فافتح ترجمة أي شخص دون الحسين(عليه السلام) من كتب التراجم لدى السُنّة والشيعة تجده يبدأ بذكر فضائل المترجم له، إن كانت له فضائل، فهذا الذهبي في ترجمة الإمام الحسين(عليه السلام) يقول: ((الإمام الشريف الكامل، سبط رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وريحانته في الدنيا، ومحبوبه، أبو عبد الله الحسين بن أمير المؤمنين...))(1)، ثمّ أخذ بذكر مناقبه.
المفردة الثانية: ذكر واقعة الطفّ.
فقد ذكرها النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، وتألّما وبكيا لذكرها، وهاك بعض الروايات الصحيحة من حيث السند حتّى على مباني السلفية:
عن أبي أُمامة، قال: ((قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لنسائه: (لا تُبكوا هذا الصبيّ) - يعني حسيناً - قال: وكان يوم أُمّ سلمة، فنزل جبريل(عليه السلام) فدخل رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) الداخل وقال لأُمّ سلمة: (لا تدعي أحداً يدخل بيتي). فجاء الحسين(رضي الله عنه) فلمّا نظر إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في البيت، أراد أن يدخل، فأخذته أُمّ سلمة فاحتضنته، وجعلت تناغيه وتسكّنه، فلمّا اشتدّ في البكاء خلّت عنه، فدخل حتّى جلس في حجر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقال جبريل(عليه السلام): (إنّ أُمّتك ستقتل ابنك هذا). فقال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يقتلونه وهم مؤمنون بي)؟ قال: نعم يقتلونه، فتناول جبريل تربة، فقال: بمكان كذا وكذا، فخرج رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقد احتضن حسيناً كاسف البال مهموماً...))(2). وقال الذهبي: ((وإسناده حسن))(3).
وأخرج الطبراني بسنده - ورجاله ثقات - في (المعجم الكبير) في ترجمة الحسين(عليه السلام): عن أُمّ سلمة، قالت: ((كان الحسن والحسين (رضي الله عنهما) يلعبان بين يدي النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في بيتي، فنزل جبريل(عليه السلام) فقال: يا محمّد إنّ أُمّتك تقتل ابنك هذا من بعدك. فأومأ بيده إلى الحسين، فبكى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وضمّه إلى صدره، ثمّ قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (وديعة عندكِ هذه التربة). فشمّها رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقال: (ويح كرب وبلاء).
قالت: وقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يا أُمّ سلمة! إذا تحوّلت هذه التربة دماً، فاعلمي أنّ ابني قد قتل). قال: فجعلتها أُمّ سلمة في قارورة، ثمّ جعلت تنظر إليها كلّ يوم، وتقول: إنّ يوماً تحوّلين دماً ليوم عظيم))(4). وأخرج الحديث غير الطبراني أيضاً(5).
وأخرج عبد بن حميد: ((أنا عبد الرزّاق، أنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن أبيه، قال: قالت أُمّ سلمة: كان النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) نائماً في بيتي، فجاء حسين يدرج، قالت: فقعدت على الباب فأمسكته مخافة أن يدخل فيوقظه، قالت: ثمّ غفلت في شيء، فدبّ فدخل فقعد على بطنه، قالت: فسمعت نحيب رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فجئت فقلت: يا رسول الله! والله ما علمت به.
فقال: (إنّما جاءني جبريل(عليه السلام)، وهو على بطني قاعد، فقال لي: أتحبّه؟
فقلت: نعم.
قال: إنّ أُمّتك ستقتله، ألا أُريك التربة التي يقتل بها؟!).
قال: (فقلت: بلى).
قال: (فضرب بجناحه فأتاني بهذه التربة).
قالت: فإذا في يده تربة حمراء، وهو يبكي، ويقول: (يا ليت شعري من يقتلك بعدي؟) ))(6).
وأخرج الطبراني بسنده - ورجاله ثقات - عن أُمّ سلمة، قالت: ((كان رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) جالساً ذات يوم في بيتي، فقال: (لا يدخل عليّ أحد). فانتظرت، فدخل الحسين(رضي الله عنه)، فسمعت نشيج رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يبكي، فاطّلعت فإذا حسين في حجره، والنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يمسح جبينه وهو يبكي، فقلت: والله ما علمت حين دخل. فقال: (إنّ جبريل(عليه السلام) كان معنا في البيت، فقال: تحبّه؟ قلت: أمّا من الدنيا فنعم.
قال: إنّ أُمّتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء)، فتناول جبريل(عليه السلام) من تربتها، فأراها النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
فلمّا أُحيط بحسين حين قُتل، قال: (ما اسم هذه الأرض؟) قالوا: كربلاء، قال: (صدق الله ورسوله، أرض كرب وبلاء) ))(7).
وأخرجه الهيثمي في (مجمع الزوائد)، وقال: ((رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها ثقات))(8).
المفردة الثالثة: إظهار الحزن والبكاء على الحسين(عليه السلام) وتجديد ذكراه..
فهناك كثير من الروايات التي تشير إلى:
1- أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بكى وحزن على الحسين(عليه السلام) في بيوت نسائه، بل وأمام جمع من الصحابة.
2- الأخبار الكثيرة التي تنصّ على أنّ جبرائيل(عليه السلام) أخبر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأنّ أُمّته ستقتل الحسين(عليه السلام)، وجاءه بتربة من أرض كربلاء، وأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) شمّها واستنشق منها رائحة دم ابنه الحسين الشهيد(9).
3- أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أعطى لبعض زوجاته تربة الحسين(عليه السلام)، وأنّها عرفت مقتله من تحوّل لون تلك التربة إلى (دم عبيطاً) في يوم العاشر من المحرّم(10).
وعن الزهري، قال: ((قال لي عبد الملك: أيّ واحد أنت إن أعلمتني أيّ علامة كانت يوم قتل الحسين؟ فقال: قلت: لم تُرفع حصاة ببيت المقدس إلاّ وجد تحتها دم عبيط، فقال عبد الملك: إنّي وإيّاك في هذا الحديث لقرينان))؛ قال الهيثمي: ((رواه الطبراني، ورجاله ثقات)).
وعن الزهري، قال: ((ما رُفع بالشام حجر يوم قُتل الحسين بن علي إلاّ عن دم))؛ قال الهيثمي: ((رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح))(11).
وعن أبي قبيل، قال: ((لمّا قُتل الحسين بن علي انكسفت الشمس كسفة حتّى بدت الكواكب نصف النهار حتّى ظننّا أنّها هي))؛ قال الهيثمي: ((رواه الطبراني، وإسناده حسن))(12).
بل نجد أوسع صور العزاء والحزن تظهر على رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في كربلاء عند قتل الإمام الحسين(عليه السلام)، فهذا ابن عبّاس يقول: ((رأيت النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المنام بنصف النهار أشعث أغبر معه قارورة فيها دم يلتقطه، أو يتتبع فيها شيئاً، فقلت: ما هذا؟
قال: (دم الحسين وأصحابه، فلم أزل أتتبعه منذ اليوم))). قال الهيثمي: ((رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح))(13).
فإذاً لا يوجد أيّ مانع شرعي من إقامة المأتم الحسيني، بل في إقامته أُسوة واقتداء بالنبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ إذ هو المقيم له والقائم عليه، كما أسلفنا من خلال الروايات الصحيحة الواردة من طرق أهل السُنّة.
وعليه: فتسقط المقدّمة الأُولى، وهي: كون البكاء والمأتم نوع من الجزع، ولا يبقى لها مكان في الاستدلال فضلاً عن المناقشة في الكبرى من انّ الجزع منهيّ عنه، وذلك لِما ورد عندنا من أنّ الجزع على الحسين(عليه السلام) جائز، كما بيّنا آنفاً في الأسئلة السابقة.

(1) سير أعلام النبلاء 3: 280.
(2) المعجم الكبير 8: 285 من روى عن أبي أمامة من أهل البصرة، مجمع الزوائد 9: 189 باب مناقب الحسين بن عليّ(عليهما السلام).
(3) سير أعلام النبلاء 3: 289.
(4) المعجم الكبير 3: 108 حديث (2817) مسند الحسين بن علي.
(5) تاريخ مدينة دمشق 14: 192، مجمع الزوائد 9: 189، تهذيب الكمال 6: 408، تهذيب التهذيب 2: 300.
(6) المنتخب من مسند عبد بن حميد: 443 حديث أم سلمة.
(7) المعجم الكبير 3: 108 حديث (2819) مسند الحسين بن علي.
(8) معجم الزوائد 9: 189 باب مناقب الحسين بن عليّ(عليهما السلام).
(9) مقتل الخوارزمي 1: 246 الفصل (8).
(10) معجم الزوائد 9: 189 باب مناقب الحسين بن عليّ(عليهما السلام).
(11) المصدر السابق 9: 196.
(12) المصدر السابق 9: 197.
(13) المصدر السابق 9: 193.

السؤال: تأثير البكاء واللطم على النفوس
ما فائدة البكاء في محرّم؟ وما فائدة اللطم على الصدور؟ السؤال ليس عن الأحاديث الشريفة، بل كيف يمكن للبكاء واللطم أن يؤثّرا في حياتنا وسلوكنا؟
الجواب:

إنّ البكاء بمعناه النفسي حالة تبرز تأثّر النفس وتفاعلها مع الحدث، وإحساسها بالألم، فتستجيب للحدث بتعبير معيّن، وهو: البكاء، وبكاؤنا على الإمام الحسين(عليه السلام) هو ردّة فعل للحدث المؤلم الذي حلّ به، فتفاعلنا مع قضيّته(عليه السلام) أوجب أن تتفاعل نفوسنا وأحاسيسنا لما أصابه(عليه السلام)، وبذلك فإنّنا قد عبّرنا باستجابتنا لمصيبته(عليه السلام) بالبكاء، الذي هو حالة تفاعل، كما ذكرنا.
ومثل ذلك. اللطم على الصدور؛ فهو تعبير عن الألم والحزن، الذي يعتلج قلوبنا، وتعبير عن مدى ما أصابنا من عظم المصيبة، فالحرقة التي تصيب النفس - والحزن يسيطر عليها - يمكن للإنسان أن ينفّس عنها، وعمّا أصابه بفعلٍ ما، يكون ترويحاً وتنفيساً ومجاراةً ومواساةً لمن حلّت به هذه الفاجعة، أو القضية المؤلمة.

لسؤال: أدلّة جواز البكاء وتعظيم الشعائر في مناسبات أهل البيت(عليهم السلام)
قال الله تعالى: (( الَّذينَ إذَا أَصَابَتهم مّصيبَةٌ قَالوا إنَّا للّه وَإنَّا إلَيه رَاجعون )) (البقرة:156)، هل هذه الآية توصينا باللطم أو ضرب البدن على المصائب؟
الجواب:

البكاء واللطم وضرب البدن في عزاء أهل البيت(عليهم السلام) يستفاد من قوله تعالى: (( وَمَن يُعَظّم شَعَائرَ اللَّه فإنَّهَا مِن تَقوَى القُلُوب )) (الحج:32)؛ فأئمّة أهل البيت(عليهم السلام) من شعائر الله بلا ريب، والاحتفاء بذكرى وفياتهم ومواليدهم بما يناسب تلك المناسبات، بشرط أن لا يكون الفعل محرّماً، هو أمر جائز، بل راجح بحسب هذه الآية الكريمة، فالتعظيم معنىً عرفيّاً خاضع لفهم الناس في كيفية التعظيم، وهو مشروع بكلّ الوسائل التي يراد بها التعظيم، بشرط أن لا يكون حراماً قد نصّت على حرمته الشريعة المقدّسة.
وكذلك يستفاد رجحان هذه الأفعال باعتبارها مظهراً من مظاهر المودّة التي صدحت بها الآية الكريمة وندبت المسلمين إليها، ونعني بها: قوله تعالى: (( قُل لاَ أَسأَلُكُم عَلَيهِ أَجراً إلَّا المَوَدَّةَ فِي القُربَى )) (الشورى:23).
وأيضاً يستفاد رجحان هذا الفعل من التأسي بفعل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في البكاء على الشهداء وسادات الدين حين سمع نساء الأنصار يبكين على من قُتل من أزواجهنّ في أُحد، فقال(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ولكن حمزة لا بواكي له)؛ قال ابن عمر - كما يروي أحمد في مسنده: ثمّ نام رسول الله فاستنبه وهنّ يبكين، (قال): فهنّ اليوم إذا يبكين يندبن بحمزة(1).
ولا يخفى ما في قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ولكن حمزة لا بواكي له)، من الحثّ على البكاء على سيّد الشهداء حمزة(عليه السلام)، والملامة لنساء الأنصار لتركهنَّ البكاء على حمزة.
وفي ترجمة حمزة من (الاستيعاب)، نقلاً عن الواقدي (ت 207هـ)، قال: لم تبكِ إمرأة من الأنصار على ميت بعد قول رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ولكن حمزة لا بواكي له) إلى اليوم، إلاّ وبدأت بالبكاء على حمزة.. انتهى(2).
فهذه سيرة الأنصار والصحابة في رجحان البكاء على الميّت عموماً، وعلى من هو كحمزة خصوصاً، وإن بَعُد العهد بموته.
وأخرج البخاري في (صحيحه) في أبواب الجنائز، وأيضاً ذكره ابن عبد البر في (الاستيعاب): أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بكى على جعفر وزيد - شهداء واقعة مؤتة(3) - وقال: (أخواي ومؤنساي ومحدّثاني)(4).
وذكر ابن عبد البر أيضاً في ترجمة جعفر من (الاستيعاب): لمّا جاء النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) نعي جعفر، أتى امرأته أسماء بنت عميس فعزّاها، (قال): ودخلت فاطمة وهي تبكي وتقول: واعمّاه، فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (على مثل جعفر فلتبكِ البواكي). انتهى(5).
وهذا الأمر منه(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (فلتبكِ)، دليل على استحباب البكاء على أمثال جعفر من رجالات الأمّة الذين فدوا مهجهم في سبيل نصرة الدين وإعلاء كلمة شريعة سيّد المرسلين(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وقد بكى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) على فاجعة ولده الحسين(عليه السلام) قبل استشهاده(6)، كما بكاه أبوه أمير المؤمنين(عليه السلام) عند مروره بأرض كربلاء..
فقد أخرج ابن سعد - كما في الفصل الثالث من الباب الحادي عشر من (الصواعق المحرقة) لابن حجر - عن الشعبي، قال: ((مرّ عليّ (رضي الله عنه) بكربلاء عند مسيره إلى صفّين وحاذى نينوى - قرية على الفرات - فوقف وسأل عن اسم الأرض، فقيل: كربلاء، فبكى حتّى بلّ الأرض من دموعه، ثمّ قال: دخلت على رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قال: كان عندي جبرئيل آنفاً وأخبرني أنّ ولدي الحسين يقتل بشاطئ الفرات، بموضع يقال له: كربلاء))(7). وروى مثله الهيثمي في (مجمع الزوائد)، وقال: ((رواه أحمد وأبو يعلى والبزّار والطبراني ورجاله ثقات))(8).
وأمّا الآية المذكورة فهي تحثّ على التسليم لأمر الله وعدم الاعتراض على قضائه، وقول رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عندما مات ولده: (إنّ العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلاّ ما يرضي ربّنا، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون)(9) يوضّح لك المراد منها، والادّعاء بأنّ ما يفعله المعزّين بمصيبة الحسين(عليه السلام) اعتراض على أمر الله تجنٍّ واتّهام لا يرضونه، وإنّما هو حزن على مصيبة الحسين(عليه السلام)، وغضب على الجناة من قاتليه، وإحياء لبعض الشعائر الإسلامية؛ لتبقى جذوة الإسلام متوقّدة إلى يوم القيامة.

(1) مسند أحمد 2: 40 مسند عبد الله بن عمر.
(2) الاستيعاب 1: 374.
(3) صحيح البخاري 2: 72 باب في الجنائز.
(4) الاستيعاب 2: 546.
(5) الاستيعاب 1: 243 ترجمة جعفر.
(6) المعجم الكبير 3: 107 حديث (2814).
(7) الصواعق المحرقة 2: 566 الباب (11).
(8) مجمع الزوائد 9: 187 باب مناقب الحسين بن عليّ(عليهما السلام)، مسند أحمد بن حنبل 1: 85 مسند عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، المعجم الكبير 3: 105 حديث (2811)، مسند أبي يعلى 1: 298 حديث (363) مسند علي بن أبي طالب.
(9) صحيح البخاري 2: 85 كتاب الكسوب باب الجنائز.

سؤال: اللطم على الصدور مصداق من مصاديق الجزع
لماذا نلطم على الصدور بالتحديد.. وحسب ما فهمت من الرواية السابقة بأنّ اللطم على الخدود؟.
الجواب:

ورد عندنا أنّ كلّ الجزع والبكاء مكروه ما خلا الجزع والبكاء لقتل الحسين(عليه السلام)، ومن مظاهر الجزع: اللطم، سواء كان على الصدور، أو على الخدود، أو على الفخذين. وما ذكر في الرواية كمثال لمظهر من مظاهر الجزع، وهو: اللطم على الخدود، ولم تمنع الرواية من اللطم على مكان آخر.

السؤال: هل اللطم أفضل أم الصلاة والصوم
هل ضرب الصدر أفضل من الصلاة والصوم والذكر وتلاوة القرآن والتسبيح في ذكرى استشهاد الحسين(عليه السلام)؟
لماذا البكاء على سيّد شباب أهل الجنّة الحسين(عليه السلام) الشهيد وفي القرآن: (( وَلَا تَحسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَموَاتاً بَل أَحيَاءٌ عِندَ رَبِّهِم يُرزَقُونَ )) (آل عمران:169).
لماذا البكاء على من هو في الجنّة؟
الجواب:

إنّ هذه الأعمال التي تقام في ذكرى عاشوراء تدخل تحت الأعمال المستحبّة، وكذلك ما ذكرت يدخل تحت الأعمال المستحبّة.
أمّا مقدار الثواب على كلّ عمل فهو راجع إليه سبحانه، ونحن لا نستطيع القول بأنّ أحدهما أفضل بعد عدم ورود ما يرجّح أحدهما على الآخر.
نعم، نستطيع القول أنّها أفضل إذا كانت تزيد في ولاء ومحبّة الشخص لأئمّته(عليهم السلام)، أو أنّها تحقّق الولاء لهم بعد أن كان ضعيفاً أو معدوماً، والولاء لهم(عليهم السلام) شرط أساسي لقبول باقي الأعمال من الصلاة والصيام..
أو نقول أنّها أفضل من جهة ما يصاحب تلك الأعمال عادة من الاستماع إلى كلام الخطباء والرواديد الذي قد يتضمّن بعض المعاني السامية التي هي بمثابة مدرسة للتعليم والإرشاد، فتكون أفضليتها من أفضلية طلب العلم على العبادة.
ويمكن أن نقول: أنّ الصلاة والصيام وقراءة القرآن أفضل لبعض الأشخاص إذا لم يكن لهم في تعظيم الشعائر دور ومشاركة، وكان انتفاعهم بالصلاة والصيام وغيرها من الأعمال أكثر بلحاظ مرتبتهم في سلّم التكامل.
أمّا البكاء على الحسين(عليه السلام) فهو على الرغم من كونه(عليه السلام) في الجنّة، فهو كبكاء رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) على الحسين(عليه السلام)، وعلى حمزة، وجعفر الطيار، وغيرهم من الشهداء، فهو بكاء مشروع، بل محبّذ، وإلاّ لم يفعله رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)(1).

(1) المستدرك على الصحيحين 3: 176، مسند أحمد 2: 40، 84، المصنّف للصنعاني 3: 550 حديث (6666).

السؤال: اللطم على الصدور
ما هو التفسير الديني والعلمي بخصوص لطم الصدور؟.
الجواب:

لا يخفى عليكم أنّ أوّل من أقام العزاء على سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين(عليه السلام) هو: رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ فعن أُمّ الفضل بنت الحارث: أنّها دخلت على رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقالت: يا رسول الله! إنّي رأيت حلماً منكراً الليلة. قال: (وما هو؟) قالت: إنّه شديد. قال: وما هو؟ قالت: رأيت كأنّ قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري. فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (رأيت خيراً، تلد فاطمة غلاماً فيكون في حجرك)..
فولدت فاطمة الحسين، فكان في حجري، كما قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فدخلت يوماً إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فوضعته في حجره، ثمّ حانت منّي التفاتة فإذا عينا رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) تهريقان من الدموع، قالت: فقلت: يا نبيّ الله! بأبي أنت وأُمّي، ما لك؟ قال: (أتاني جبريل(عليه الصلاة والسلام) فأخبرني أنّ أمّتي ستقتل ابني هذا)، فقلت: هذا؟ فقال: (نعم)، وأتاني بتربة من تربته حمراء(1).
وعن أُمّ سلمة، قالت: كان الحسن والحسين يلعبان بين يدي النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في بيتي، فنزل جبريل، فقال: يا محمّد! إنّ أمّتك تقتل ابنك هذا من بعدك. وأومأ بيده إلى الحسين، فبكى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وضمّه إلى صدره، ثمّ قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): وديعة عندك هذه التربة، فشمّها رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقال: ويح وكرب وبلاء. قالت: وقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يا أُمّ سلمة إذا تحولت هذه التربة دماً فاعلمي أنّ ابني قد قتل)(2).
وهناك روايات أُخرى كثيرة في هذا المجال.
وهكذا تجد أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) اقاموا العزاء على الحسين(عليه السلام) وأمرونا بذلك وبإظهار الحزن، كما أشرنا إلى ذلك في الأجوبة السابقة.
ومن هذا المنطلق أخذت الشيعة الإماميّة تعمل بهذه الوصية، فتظهر مختلف علامات الحزن والعزاء على الإمام الحسين(عليه السلام) كلّ بحسب منطقته وعاداته وتقاليده.
فبعضهم اتّخذ - مثلاً - اللطم على الصدور طريقة من طرق إظهار الحزن ليظهر من خلاله حبّه وولاءه الشديد لأبي عبد الله الحسين(عليه السلام) وعدّه عملاً راجحاً يتوقّعون فيه الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى.
ودليلهم على جوازه: إجماع علماء الطائفة الشيعية عليه، وبعض الروايات، منها: ما رواه الشيخ الطوسي في كتابه (التهذيب): عن الإمام الصادق(عليه السلام)، أنّه قال: (وقد شققن الجيوب، ولطمن الخدود - الفاطميات - على الحسين بن عليّ(عليهما السلام)، وعلى مثله تلطم الخدود، وتشقّ الجيوب)(3).
وقد أشار إلى هذه الرواية أيضاً الشهيد في (الذكرى)(4)؛ فراجع!

(1) المستدرك على الصحيحين 3: 176.
(2) مجمع الزوائد 9: 189 باب (مناقب الحسين بن عليّ(عليه السلام)).
(3) تهذيب الأحكام 8: 325 كتاب الأيمان والنذور والكفّارات حديث (12071).
(4) ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة 2: 56 البحث الرابع من المطلب الثالث من أحكام الأموات.


تعليق على الجواب (1)
في جوابكم للأخ علي حول قضية اللطم ذكرتم الرواية وعدّة مصادر للرجوع إليها، ولكن هناك روايات في قضية منع النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لذلك لدى العامّة، فكيف نردّ على هذه الروايات، والرواية التي ذكرتموها بأنّ اللطم على الإمام الحسين(عليه السلام) فقط هو الجائز.
فكيف نثبت جواز اللطم على بقية المعصومين(عليهم السلام)؟
الجواب:

إنّ الروايات المانعة التي أشرت إليها عند العامّة إن صحّت سنداً فإنّها تدلّ على المنع من البكاء على الميّت على نحو الإطلاق، فيمكن الذبّ والدفاع عن الروايات المجوّزة - كالتي وردت في جواب بعض الإخوة - بأنّ هذه الأحاديث خاصّة في مورد الإمام الحسين(عليه السلام) فتخصّص تلك الإطلاقات بهذه المخصّصات، وهذا أُسلوب مألوف في علم الفقه - كما هو ثابت في محلّه من علم الأُصول - لجمع الأدلّة ونفي التعارض بينها.
على أنّ الروايات المانعة المشار إليها هي بنفسها - مع غضّ النظر عن الأخبار الواردة في شأن الحسين(عليه السلام) - متعارضة مع روايات أُخرى في مصادر أهل السُنّة؛ فورد في بعضها أنّ عائشة ردّت هذه الروايات ونقلت صور أُخرى لا تدلّ على المنع(1)..
ويؤيّد رواية عائشة: ما ورد في صحيح البخاري من أنّ منع رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان في مجال بكاء اليهود على أمواتهم(2).
وورد أيضاً أنّ عمر هو بنفسه كان لا يمنع من إقامة العزاء والبكاء على الميّت(3).
وجاء أيضاً في سيرة الصحابة ما يدلّ على المقام(4).
وأمّا تعميم الحكم لباقي المعصومين(عليه السلام):
فأوّلاً: بالإطلاقات الواردة لتسرّي الأحكام من بعض المعصومين(عليهم السلام) على جميعهم، إلاّ إذا ورد خطاب يخصّص بعضهم دون بعض.
وثانياً: بالرواية نفسها التي أوردناها في جواب بعض الإخوة إذ جاء فيها (...وعلى مثله (الحسين(عليه السلام) تلطم الخدود وتشّق الجيوب)(5)، ولا ريب أنّ المثيل الأوّل والأخير للمعصوم هو المعصوم(عليه السلام).
وبالجملة، نستنتج جواز، بل استحباب إقامة كافّة أنواع العزاء - ومنها اللطم - على الحسين(عليه السلام) وباقي المعصومين(عليهم السلام).

(1) انظر: مسند أحمد 1: 41، 42 مسند عمر بن الخطّاب، صحيح البخاري 2: 81 باب في الجنائز، جامع الأُصول في أحاديث الرسول 11: 82 حديث (8570)، سنن النسائي 4: 17 كتاب النياحة، إرشاد الساري 3: 408 كتاب الجنائز الباب (32) حديث (1288)، اللؤلؤ المرجان فيما اتّفق عليه الشيخان 1: 252 كتاب الجنائز الباب (9) حديث (536).
(2) انظر: صحيح البخاري 2: 81 باب في الجنائز، صحيح مسلم 3: 42 كتاب الجنائز باب (الميت يعذّب ببكاء أهله)، جامع الأُصول في أحاديث الرسول 11: 83 حديث (8570)، إرشاد الساري 3: 409 كتاب الجنائز الباب (32) حديث (1289).
(3) انظر: الآحاد والمثاني 2: 316 حديث (1080) ترجمة النعمان بن مقرن، كنز العمّال 15: 727 حديث (42896)، 731 حديث (42908)، أُسد الغابة في معرفة الصحابة 5: 31، الاستيعاب 4: 1506 حديث (2626)ترجمة نعمان.
(4) انظر: الاستيعاب ترجمة حجر بن عدي، الإصابة في تمييز الصحابة ترجمة عثمان بن مظعون، وترجمة قيس بن سفيان، وترجمة قيس بن عاصم، وترجمة شماس بن عثمان.
(5) تهذيب الأحكام 8: 325 كتاب الأيمان والنذور والكفّارات حديث (1207).

السؤال: لطم الهاشميات دليل على جوازه
سؤالي هو: كيف أُقنع أُناساً من مذاهب أُخرى بقضية اللطم على الصدر في شهر محرّم؟
الجواب:

إنّ لكلّ قوم عُرف خاصّ بالنسبة إلى إقامة العزاء، وما دام أنّ أصل الحزن وإقامة العزاء ثابت على الحسين(عليه السلام)، فإنّ اللطم هو أحد مصاديق إظهار الحزن عند الشيعة، فلا نحتاج في المسألة إلى دليل خاصّ، ما دام هو داخل تحت عمومات الحزن.
أضف إلى ذلك، فإنّ الهاشميات لطمن على الإمام الحسين(عليه السلام)، وبحضور الإمام السجّاد(عليه السلام)، وحيث لم ينهاهنّ الإمام(عليه السلام)، فيكون تقريراً لجوازه واستحبابه على الإمام الحسين(عليه السلام)(1).

(1) انظر: تهذيب الأحكام 8: 325 كتاب الأيمان والنذور والكّفارات حديث (12071)

لسؤال: من مظاهر الحزن.. اللطم
هل هناك أحاديث تدلّ على استحباب اللطم؟ أحاديث فيها كلمة اللطم صراحة، والاستحباب كذلك؟
الجواب:

نحن لا نحتاج إلى حديث يدلّ على استحباب اللطم ما دامت المسألة راجعة إلى العرف، فكلّ ما يصدق عليه أنّه من مظاهر الحزن على الإمام الحسين(عليه السلام) عند العرف سيكون مستحبّاً، وكما تعلمون فإنّ لكلّ أُناس عادات وتقاليد في إظهار الحزن، ومن عاداتنا وتقاليدنا في إظهار الحزن: اللطم، فيكون داخلاً تحت العمومات التي تحثّ على إحياء أمر أهل البيت(عليهم السلام)، وإظهار الحزن عليهم.
وبعد هذا، نذكّركم بورود روايات وردت عن فعل اللطم من قبل السيّدة زينب(عليها السلام)، وسائر الهاشميات، وغيرهنّ.


تعليق على الجواب (1)
في جوابكم لم تذكروا مصدر الرواية أو نصّ الرواية..
ونحن نعتمد في إجاباتنا في الإنترنت والمناظرات كثيراً على أجوبتكم، فلو افتقدت المصادر ستسقط حجّيتها على الخصم.
الجواب:

لا يخفى عليكم أنّ الأصل في الأفعال: الإباحة، ما لم يرد دليل على المنع(1).
فاللطم فعل من الأفعال، ومظهر من مظاهر الحزن والتألّم، يقيمه المؤمنون تذكّراً لمصاب سيّد الشهداء الحسين(عليه السلام)، وإحياءً لتلك الفاجعة التي ألمّت بأهل بيت النبوّة(عليهم السلام)، والتي كانت من أفجع المصائب، وأعظم الرزايا التي فدح بها المسلمون في تأريخهم، فهي مصيبة ليست ككلّ المصائب، وفاجعة ليست ككلّ الفجائع..
وقد تألّم لها رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعليّ(عليه السلام)، والزهراء(عليها السلام)، قبل حدوثها، لِما وصلهم من علم الله سبحانه وتعالى بها..
وقد ورد في ذلك أحاديث صريحة وصحيحة رواها أحمد في (مسنده) وغيره؛ فانظر: ما نقله الهيثمي في (مجمع الزوائد) عن أحمد بن حنبل في مسنده، وعن أبي يعلى والبزّار والطبراني(2)، وصرّح بأنَّ رجال الحديث ثقات، في بكاء النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وألمه لِما سيجري على الحسين(عليه السلام)، وإخبار عليّ(عليه السلام) بذلك(3).
فالحزن على الإمام الحسين وعلى مصائب أهل البيت(عليهم السلام) جائز، بل راجح؛ لِما نفهم من أحاديث النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالحثّ على البكاء والحزن على رجالات الدين الذين بذلوا مهجهم في سبيله، وضحّوا في سبيل إعلاء كلمة الحقّ، وهذا المعنى من الحثّ يتلمّسه الفقيه بوضوح لما يقرأه من قول رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (على مثل جعفر فلتبكِ البواكي)(4).
فمظاهر الحزن من البكاء واللطم ولبس السواد وغيرها جائزة شرعاً، لأصالة الإباحة في الأفعال، ومن قال بخلاف ذلك ومنعه فعليه تقديم الدليل، وأيضاً لِما ورد من الحثّ على الحزن على رجالات الدين خاصّة في فعل رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقوله، كما أشرنا إليه.
ولا نحتاج في هذا المورد إلى دليل خاص لجواز اللطم بعينه بعد أصالة الإباحة. وإلاّ على المنكر أن يظهر الدليل بجواز ركوب الطائرة، واستعمال الهاتف، ومشاهدة التلفاز، بل ولبس القميص والبنطلون وغيرها من الأفعال التي لم يرد لها ذكر أو اسم في الروايات ولم تكن على عهد التشريع.. فكيف تحلّ المشكلة؟ والجواب هو الجواب.

(1) انظر: حاشية ردّ المحتار لابن عابدين 1: 113 مطلب: المختار: أنّ الأصل في الأشياء الإباحة، فقه السُنّة 3: 288، المغني لابن قدامة 1: 131، 760، 3: 36، 296، 311، 371، 4: 124، 303.
(2) انظر: مسند أحمد بن حنبل 1: 85 مسند عليّ بن أبي طالب، المصنّف لابن أبي شيبة 8: 632 حديث (259)، مسند أبي يعلى 1: 298 حديث (363)، مجمع الزوائد 9: 187.
(3) مجمع الزوائد 9: 187.
(4) رواه ابن عبد البر في الاستيعاب 1: 243 ترجمة جعفر.

السؤال: الأدلّة على جواز اللطم ونشوئه
اللطم أثناء المأتم الحسيني، ما هو الدليل الشرعي عليه؟ وبداية نشوئه في أيّ فترة من التاريخ الإسلامي؟
الجواب:

من الأدلّة على جواز اللطم في المجالس الحسينية هو الحديث الوارد عن الإمام الصادق(عليه السلام): (إنّ البكاء والجزع مكروه للعبد في كلّ ما جزع، ما خلا البكاء والجزع على الحسين بن عليّ(عليهما السلام)؛ فإنّه فيه مأجور)(1)، واللطم نوع من الجزع.
ولا يخفى عليكم، أنّ النهي عن الجزع نهي تشريعي، وليس نهياً تكوينياً، وبالتالي فهو قابل للتخصيص، وقد ورد تخصيص من الشارع المقدّس لعموم النهي عن الجزع، هذا أوّلاً.
وثانياً: لأصالة الإباحة؛ فطالما لم يكن في اللطم ضرر، فمقتضى أصل الإباحة هو عدم الإشكال في اللطم ما لم يرد نهي.
وثالثاً: اللطم على مصائب أهل البيت(عليهم السلام) يدخل في باب تعظيم الشعائر، وشدّ الناس إلى قضية الإمام الحسين(عليه السلام) التي هي قضية الإسلام.
وأمّا بداية نشوئه، فالظاهر أنّه عريق، كما يبدو من بعض الحوادث التي يذكرها ابن الأثير في (تاريخه)، فقد ذكر في الحوادث الواقعة في القرن الرابع والخامس الهجري، أنّه وقع خلاف وصدام بين الشيعة والسُنّة، بسبب بعض أعمال يوم عاشوراء من اللطم وغيره(2).

(1) كامل الزيارات: 201 الباب (32) حديث (286).
(2) انظر: الكامل في التاريخ 8: 549 حوادث سنة 352هـ، 8: 558 حوادث سنة 353هـ، 9: 155 حوادث سنة 389هـ.

تعليق على الجواب (1)
عن أبي عبد الله(عليه السلام): (لا ينبغي الصياح على الميّت، ولا تشقّ الثياب)(الكافي 3/225، وسائل الشيعة 2/916).
عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: (لا يصلح الصياح على الميّت، ولا ينبغي، ولكن الناس لا يعرفون)(الكافي 3/226، الوافي 12/88، وسائل الشيعة 2/916).
عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: (صوتان ملعونان يبغضهما الله: إعوال عند مصيبة، وصوت عند نغمة، يعني: النوح والغناء)(مستدرك الوسائل للنوري 1/144، بحار الأنوار 82/101).
عن أبي سعيد: أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لعن النائحة والمستمعة) مستدرك..
أخي العزيز! ما أوردته نهياً عامّاً عن اللطم، وإذا كان اللطم سيّئاً فسيكون سيّئاً حتّى على الحسين، وإلاّ لماذا نهى الله عنه؟ وقولك: لا يضرّ، غير صحيح؛ فله عدّة أضرار، منها: إيذاء الجسد، والاساءة لآل البيت والمسلمين؛ حيث أنّ المشهد غير حضاري، وأيضا أنّه: بدعة، وهذا أهم، وأنا أعتبر كلّ شيء لم يأتِ به رسول الله بدعة؛ لأنّه أكمل الدين، ولم يبق لمن جاء بعده إلاّ الطاعة.
الجواب:

ينبغي الالتفات إلى أنّ اللطم على الإمام الحسين(عليه السلام) ليس هو لطماً لأجل مقتل شخص مسلم عادي؛ فالحسين(عليه السلام) هو إمام المسلمين وقدوتهم، وخليفة الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهو يمثّل الإسلام... وحينئذٍ فإنّ ورود الاستثناء بشأن اللطم عليه له ما يبرّره.
مع أنّ المسألة ليست استحسانية حتّى يسوغ لك المقارنة بين الإمام الحسين(عليه السلام) وسائر الناس! وإنّما ورد النهي عن اللطم على الميّت؛ لأنّه غالباً ما يكون مصاحباً للجزع وعدم التسليم والرضا بالقضاء.. وهذا العنصر مفقود في حال اللطم على أبي عبد الله الحسين(عليه السلام)؛ لأنّ الجزع عليه ليس اعتراضاً على القضاء، بل إشفاقاً على الدين وإمام المسلمين والقرآن الناطق، ومن هو بمنزلة لحم ودم النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بل نفسه كما يدلّ عليه قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (حسين منّي وأنا من حسين)(1).. فيرجع الأمر في النهاية إلى التعلّق بالدين والمودّة لآل البيت الطاهرين(عليهم السلام) والتعبير عن الولاء لهم؛ فتأمّل!

(1) مسند أحمد بن حنبل 4: 172، سنن الترمذي 5: 324 حديث (3864)، المستدرك على الصحيحين 3: 177، مجمع الزوائد 9: 181.

يتبع


رد مع اقتباس
قديم 10-09-2017, 05:23 PM   رقم المشاركة : 4
الكاتب

الشيخ عباس محمد


الملف الشخصي









الشيخ عباس محمد غير متواجد حالياً


افتراضي

السؤال: مشروعية اللطم
بحثت عن إجابة لأسئلة تقدّم بها صديق لي من إخواننا السُنّة، وهو زميل لي بالعمل.. وكان السؤال عن مشروعية اللطم على الحسين خاصّة وأهل البيت عامّة.. بعدما أجبته عن كثير من الأسئلة المتعلّقة بمذهب أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين..
وأتيت إلى صفحتكم المباركة في (إقامة المجالس لأحياء أمر أهل البيت(عليهم السلام)/اللطم على الصدور)، ولكنّي لم أستشف ما أرجوه لكي أنقله إلى صديقي وأخي السُنّي..
لذلك أرجو إذا تكرّمتم علَيَّ بالإجابة الوافية حول مشروعية اللطم والاستدلالات المستند عليها في فقه الشيعة؟
الجواب:

الاستدلال على مشروعية اللطم يتم من خلال نقاط:
أولاً: إنّ الأصل في الأشياء: الإباحة، أيّ: أنّ كلّ شيء مباح حتّى يرد فيه حرمة ونهي، لا كما يظهر من كلام من يعترض على اللطم من أنّ الأصل في الأشياء الحرمة. فإنّ أصالة الإباحة أصل أُصّل في علم أُصول الفقه، فيه بحوث علمية لا يعرفها أبناء المذهب المخالف - ويمكنك اطّلاعهم عليها - .. وعليه فإنّ مدّعي الحرمة والمنع يحتاج إلى دليل، وليس العكس.
ثانياً: بل إنّ اللطم على الإمام الحسين(عليه السلام) مستحبّ؛ لأنّه بعد الأصل يدخل في إحياء شعائر الله (( ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّم شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقوَى القُلُوبِ )) (الحج:32)، ومن المعلوم لدينا دخول الشعائر الحسينية في شعائر الله، فإنّ يوم الحسين يوم من أيام الله بلا جدال.
ثالثاً: ولكن مع كلّ هذا فإنّ للشيعة أدلّتهم من الروايات، التي فيها إقرار اللطم على الحسين(عليه السلام) والمعصومين(عليهم السلام)، كما ورد في زيارة الناحية المقدّسة من فعل الفواطم: (برزن من الخدور، ناشرات الشعور، على الوجوه لاطمات)(1)؛ إذ جاءت هذه الزيارة على لسان معصوم، فضلاً عن سكوت الإمام زين العابدين(عليه السلام) زمن الحادثة الدال على تقريره.
وأيضاً ما رواه الصدوق من أنّ دعبل الخزاعي لمّا أنشد الإمام الرضا(عليه السلام):
إذاً للطمت الخدّ فاطم عنـده ***** وأجريت دمع العين في الوجنات
لطمت النساء وعلا الصراخ من وراء الستار، وبكى الإمام الرضا(عليه السلام) حتّى أُغمي عليه مرّتين(2)، وفيه من التقرير والرضا ما لا يخفى؛ إذ لو كان فيه خلاف الشرع لأنكره(عليه السلام).
وفي (التهذيب) عن الإمام الصادق(عليه السلام): (وقد شققن الجيوب، ولطمن الخدود - الفاطميات - على الحسين بن عليّ(عليهما السلام)، وعلى مثله تلطم الخدود، وتشقّ الجيوب)(3).
وقال في (الجواهر): ((إنّ ما يحكى من فعل الفاطميات... ربّما قيل: إنّه متواتر))(4).
وفي (اللهوف) لابن طاووس: إنّه لمّا رجع السبايا إلى كربلاء: ((فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري وجماعة من بني هاشم، ورجالاً من آل الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد وردوا لزيارة قبر الحسين(عليه السلام): فوافوا في وقت واحد، وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم، وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد، إجتمع إليهم نساء ذلك السواد، فأقاموا على ذلك أيّاماً))(5).
ومن المعلوم أنّ الإمام السجّاد(عليه السلام) كان معهم.
وروي في أحاديث كثيرة استحباب الجزع على الإمام الحسين(عليه السلام)، وفسّر الإمام الباقر(عليه السلام) الجزع بقوله: (أشدّ الجزع: الصراخ بالويل والعويل، ولطم الوجه والصدر)(6).
وغيرها من الروايات. أفبعد هذا يقال بالمنع من اللطم!!!
نعم إنّ ذلك مختصّ بالإمام الحسين(عليه السلام)، كما ذكر الفقهاء.
ولكن المانعين المدّعين لحرمة اللطم حاولوا إيراد أدلّة تدلّ على حرمة اللطم بالعنوان الثانوي، منها:
1- أنّه إلقاء في التهلكة، وقد قال جلّ وعلا: (( وَلاَ تُلقُوا بِأَيدِيكُم إِلَى التَّهلُكَةِ )) (البقرة:195)، مع أنّ الآية ناظرة إلى التهلكة في الآخرة، ولو سلّمنا فإنّه ليس في ما يفعله اللاطم تهلكة في الدنيا. وإن حدث حادث في بعض الحالات النادرة، أي: إن مات أحدهم مثلاً، فإنّ ذلك لا يوجب التحريم أصلاً؛ فهو كما يتّفق في كلّ شيء مباح، مثل: ركوب السيارة مثلاً.
2- أنّه إضرار بالنفس، والإضرار حرام، مع أنّه لم يثبت حرمة كلّ إضرار بالنفس، بل الثابت حرمة ما يؤدّي إلى هلاك النفس، أو ما يؤدّي إلى ضرر بالغ. والعقلاء يُقدِمون على الضرر القليل من أجل هدف أسمى وأكبر، بل قد يُقدِمون على أمور فيها هلاك النفس من أجل المبادئ والقيم التي يؤمنون بها.
3- أنّ هذه الممارسات ومنها: اللطم، فيها توهين للمذهب.
وجوابه: إنّ ذلك يختلف باختلاف المواقف، وإنّ تشخيص الموضوع يعود للمكلّف من صدق التوهين هنا أو لا؟ ولو أردنا مجاراة كلّ من خالفنا وشنّع علينا ممارساتنا الدينية بمثل هذه الحجّة لما بقى لدينا شيء، حتّى الحجّ والصلاة.
4- قد يعترض المخالف من أهل العامّة بأنّه بدعة، ولكن تعريف البدعة هو: إدخال في الدين ما ليس من الدين (أو ليس منه)(7)، وهو قد يطلق على ما كان محرّماً، وقد عرفت ممّا سبق الأدلّة على جوازه وأنّه من الدين.

(1) المزار: 504 زيارة أُخرى يوم عاشوراء.
(2) انظر: عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 1: 154 حديث (8)، 294 حديث (34)، 297 حديث (35).
(3) تهذيب الأحكام 8: 325 كتاب الأيمان والنذور والكفّارات حديث (1207).
(4) جواهر الكلام 4: 371.
(5) اللهوف في قتلى الطفوف: 114.
(6) الكافي 3: 222 كتاب الجنائز باب (الصبر والجزع والاسترجاع)، وسائل الشيعة 3: 217 حديث (3625).
(7) انظر: المحصول 2: 298، الحدائق الناضرة 8: 311.

لسؤال: اللطم جائز للإقرار وللأصل
من المتعارف عليه بين أبناء الشيعة الإمامية إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين(عليه السلام)، ويصاحب ذلك في كثير من الأحيان اللطم، أو ما عرف بالعزاء.
وهو إنشاد القصائد الرثائية في أهل البيت، ويصحب ذلك اللطم على الصدور، وحسب اطّلاعي المتواضع، فإنّ الأئمّة(عليهم السلام) كانوا يحيون هذه الأيّام، ولكن لم يرد بأنّهم كانوا يلطمون على صدورهم، أو كانوا يحثّون على ذلك، ولو كانت هذه العادة هي شعيرة خاصّة، أو لها أهمّية لجاءت أخبار الأئمّة بالحثّ عليها، بل ربّما هناك ما يتعارض مع مثل ذلك.
فنحن نعرف وصية الإمام الحسين(عليه السلام) لأخته زينب(عليها السلام) ليلة العاشر: بأن تتعزّى بعزاء الله، ولا تشقّ عليه جيباً، أو تلطم عليه خدّاً... مع أنّ السيّدة زينب ليست بحاجة لذلك، إلاّ أنّ الإمام ربّما قال لها ذلك من باب: إيّاك أعني واسمعي يا جارة.
كذلك سمعت من البعض: بأنّ أوّل ظهور لهذه العادة كان في عصر الشيخ المفيد، وكان الشيخ يقف موقفاً سلبياً ممّن يمارسون هذه العادة.
أودّ أن أسمع تعليقكم حول هذا الموضوع بالتفصيل؟ شاكراً ومقدّراً لكم.
الجواب:

نلخّص الجواب في نقاط:
أولاً: هناك كلّية صحيحة يُرجع إليها في الاستدلال، وهي: كُلّ ما يأمر به، أو يحثّ عليه، أو يفعله، أو يقرّه النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو الإمام(عليه السلام) فهو جائز بالمعنى العام، أي: أعمّ من الواجب والمستحبّ والمباح.
وهناك قضية يأتي بها المغالطون كثيراً على أنّها كلّية صحيحة يمكن الاستدلال بها، ليموّهوا على مناقشيهم بنوع من المغالطة، وهي: إنّ كُلّ جائز - وليس الواجب - يجب أن يفعله النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو الإمام(عليه السلام)، وهي عكس الأُولى، وهذه الكلّية غير صحيحة وباطلة، ولم تثبت لا عقلاً ولا شرعاً.
ومن راجع علم المنطق يعرف: إنّ العكس المستوي في الموجبة الكلّية يكون موجبة جزئية، فعكس القاعدة الأُولى: كُلّ ما يفعله الإمام فهو جائز، وهي موجبة كلّية، يكون: بعض ما هو جائز يفعله الإمام، وهي موجبة جزئية، ثمّ إنّه لم يثبت في الشرع أنّ كُلّ شيء جائز - سواء كان مستحبّاً أو مباحاً - يجب أن يفعله الإمام.
ملاحظة: نحن اقتصرنا في القضية على فعل الإمام(عليه السلام)؛ لأنّ المخالفين الذين يتعمّدون المغالطة يحتجّون دائماً علينا بأنّ الإمام لم يفعل كذا، ولم يفعل كذا، فهو غير جائز، ولا يحتجّون علينا بعدم فعل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلاّ نادراً.
أمّا نحن، فإنّ هذه القاعدة واضحة عندنا، فلا نحتجّ عليهم بعدم فعل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لشيء لإثبات عدم جوازه إلاّ من باب النقض.
ومن هنا عرفت الجواب على كُلّ من يعترض على فعلٍ ما بأنّ الإمام(عليه السلام) لم يفعله، أو لم يثبت فعله له، ومنها: الاستدلال بعدم فعل الإمام(عليه السلام) للّطم.
ثانياً: تبيّن أنّ إقرار النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو الإمام(عليه السلام) لفعل ما يدلّ على جوازه بالمعنى الأعم، ولا يثبت به الوجوب، فهو يحتاج إلى دليل آخر.
وفي موردنا جاءت عدّة روايات تثبت إقرار الإمام(عليه السلام) لِما فعله الآخرون من اللطم أمامَه، أو لم ينكر على من ذكر اللطم على الإمام الحسين(عليه السلام)، ويبيّن له المنع من ذلك..
منها: ما رواه الشيخ الطوسي عن الإمام الصادق(عليه السلام): (وقد شققن الجيوب، ولطمن الخدود - الفاطميات - على الحسين بن عليّ(عليه السلام)، وعلى مثله تلطم الخدود، وتشقّ الجيوب)(1).
ومنها ما رواه الشيخ الصدوق: إنّ دعبل الخزاعي أنشد الإمام الرضا(عليه السلام) قصيدته التي فيها:
أفاطم لو خلت الحسين مجدّلاً ***** وقد مات عطشاناً بشط فراتِ
إذاً للطمت الخدّ عنده ***** وأجريت دمع العين في الوجنات(2)
فلم يعترض عليه الإمام(عليه السلام) بأنّ فاطمة(عليها السلام) لا تفعل الحرام، وهو اللطم، بل بكى(عليه السلام).
ومنها: ما ورد في زيارة الناحية المقدّسة: (فلمّا رأين النساء جوادك مخزيّا، ونظرن سرجك عليه ملويّا، برزن من الخدور، ناشرات الشعور، على الخدود لاطمات، الوجوه سافرات، وبالعويل داعيات...)(3)، وغيرها.
ثالثاً: إنّ استنباط الحكم الشرعي لقضية معيّنة يتمّ من خلال قواعد مقرّرة في أُصول الفقه وعلم الفقه، ويستدلّ بها من القرآن والسنّة والعقل والإجماع، ولا ينحصر الدليل بقول المعصوم أو فعله، وإذا فقد الدليل من هذه الأربعة يرجع إلى الأُصول العملية التي تحدّد الوظيفة العملية للمكلّف باتجاه هذه القضية.
وقد قرّروا أنّ الأصل في الأشياء: الإباحة ما لم يأتِ فيه تحريم، فإذا سلّمنا بفقد الدليل على اللطم، نرجع إلى هذا الأصل الأوّلي فيه، وهو: الإباحة، ولم يثبت في هذه القضية أصل ثانوي من أنّه إضرار بالنفس، وعلى فرض ثبوته فليس كُلّ ضرر - وإن كان لا يعتدّ به - حراماً.
رابعاً: ومثل هذا يثبت بخصوص خروج المواكب في الطرقات وإنشاد المراثي، على أنّ شعائر خروج المواكب في الطرقات كان من عهد البويهيين في بغداد في القرن الرابع الهجري، وهو عصر علماء عظام من الإمامية - كالمفيد وابن قولويه والمرتضى والرضي - ولم يُسمع من أحد منهم الاعتراض والنهي عن ذلك، ولم نعرف المصدر الذي نقلت منه موقف الشيخ المفيد السلبي بخصوص ذلك، فنرجو أن تذكر المصدر حتّى ننظر فيه.
خامساً: وأمّا ما أوردته من الرواية عن الإمام الحسين(عليه السلام) يخاطب زينب(عليها السلام): بأن تتعزّى بعزاء الله، ولا تشقّ عليه جيباً، أو تلطم عليه خدّاً...، فإنّ متن الرواية هكذا، كما في (اللهوف) لابن طاووس (ت664هـ): (انظرن إذا أنا قتلت، فلا تشققن عليّ جيباً، ولا تخمشن عليّ وجهاً...)(4)، ومثله في (الفتوح) لابن أعثم (ت314هـ)(5).
وليس فيها: ((ولا تلطمن عليّ خدّاً)) حتّى تستدلّ بها على النهي عن اللطم.
بل عن رواية الأقدم منهما، وهو: أبو مخنف - المتوفّى (ت158هــ) - عن الحارث بن كعب وأبي الضحّاك، عن الإمام علي بن الحسين(عليه السلام)؛ أنّ المخاطبة كانت زينب(عليها السلام)، إذ قال لها الحسين(عليه السلام): (يا أُخية! إنّي أُقسم عليك فأبري قسمي: لا تشقّي عليّ جيباً، ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تدعي عليّ بالويل والثبور، إذا أنا هلكت)(6).
مع ملاحظة أنّ القضية في كُلّ الروايات واحدة، وهي خبر إنشاد الحسين لعدّة أبيات، والتي أوّلها: يا دهر أُفٍّ لك من خليل...، ليلة عاشوراء، فمرّة مخاطباً النساء معاً، ومرّة مخاطباً زينب(عليها السلام) وحدها، إضافة إلى أنّ رواية ابن أعثم والسيّد ابن طاووس مرسلة.
نعم، قد يستدلّ برواية أُخرى في (دعائم الإسلام) عن الإمام الصادق(عليه السلام): أنّه أوصى عندما احتضر فقال: (لا يلطمن عليّ خدّ، ولا يشقّن عليّ جيب، فما من امرأة تشقّ جيبها إلاّ صدع لها في جهنّم صدع، كلّما زادت زيدت)(7).
ولكن، بغضّ النظر عمّا قيل في توثيق كتاب (دعائم الإسلام)، فقد قال السيّد الخوئي بخصوص هذه الرواية وغيرها: (إلاّ أنّ الأخبار لضعف إسنادها لا يمكن الاعتماد عليها في الحكم بالحرمة بوجه)(8).
ولذا أفتى علماؤنا بجواز شقّ الثوب على الأب والأخ؛ فراجع!
فيتّضح أنّ ما تقدّم من الروايات لا تنهض حجّة لمقاومة الأدلّة التي ذكرناها.

(1) تهذيب الأحكام 8: 325 حديث (1207) كتاب الإيمان باب الكفّارات.
(2) بحار الأنوار 45: 257 الباب (44).
(3) المزار: 504 الباب (18).
(4) اللهوف في قتلى الطفوف: 50.
(5) كتاب الفتوح 5: 84 ذكر نزول الحسين(رضي الله عنه) بكربلاء.
(6) مقتل الحسين لابن مخنف: 111.
(7) دعائم الإسلام 1: 226 كتاب الجنائز ذكر التعازي والصبر وما رخص فيه من البكاء.
(8) التنقيح في شرح العروة الوثقى 9: 232 كتاب الطهارة فصل في أحكام الأموات.

السؤال: أدلّة جواز اللطم على الإمام الحسين(عليه السلام)
هل توجد روايات تكشف عن رضى المعصوم من ممارسة اللطم حزناً على الإمام الحسين(عليه السلام)؟
الجواب:

إنّ الروايات الدالّة على اللطم، بحضور المعصوم، وظهور موافقته، ورضاه، وفي بعضها الحثّ عليه منه (عليه السلام)، كثيرة، منها:
1- عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام): (وقد شققن الجيوب، ولطمن الخدود - الفاطميات - على الحسين بن عليّ، وعلى مثله تلطم الخدود، وتشقّ الجيوب)(1).
وفي الجواهر: ((وما يحكى من فعل الفاطميّات، كما في ذيل خبر خالد بن سدير عن الصادق(عليه السلام)، بل ربّما قيل: إنّه متواتر))(2)، ونقل القول بإجماع الأصحاب عن ابن إدريس أيضاً(3).
2- وحين سمعت السيّد زينب(عليها السلام) أخاها الإمام الحسين(عليه السلام) ينشد:
يا دهر أُفٍّ لك من خليلِ، الخ...
لطمت وجهها، وهوت إلى جيبها فشقّته، ثمّ خرت مغشياً عليها...(4).
3- وحين أخبر الإمام الحسين(عليه السلام) أُخته بأنّه (عليه السلام) رأى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنّه قال له: إنّك تروح إلينا، ((فلطمت أخته وجهها، ونادت بالويل، الخ...))(5).
4- ولمّا مروا بالسبايا على الإمام الحسين(عليه السلام) وأصحابه عليهم السلام، وهم صرعى، ((صاحت النساء، ولطمن وجوههنّ، وصاحت السيّدة زينب: يا محمّداه...))(6).
5- وفي زيارة الناحية: ((فلمّا رأين النساء جوادك مخزيّاً، إلى أن قال: على الخدود لاطمات، الخ...))(7).
6- وحين رجع السبايا من الشام إلى كربلاء، ووجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري، وجماعة من بني هاشم، ((تلاقوا بالبكاء، والحزن، واللطم. وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد))(8). وكان الإمام السجّاد(عليه السلام) معهم يرى ويسمع.
7- وحين أنشد دعبل الخزاعي تائيته المشهورة، بحضرة الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام)، قال فيها:
أفاطم لو خِلتِ الحسين مجدّلاً ***** وقد مات عطشاناً بشطّ فراتِ
إذاً للطمت الخدّ فاطم عنده ***** وأجريت دمع العين في الوجناتِ(9)
لم يعترض الإمام عليه، ولم يقل: إنّ أُمّنا فاطمة(عليها السلام) لا تفعل ذلك لأنّه حرام، أو مكروه، بل هو قد بكى وأعطى الشاعر جائزة، وأقرّه على ما قال.
8- وقد روي في الأحاديث الكثيرة: أنّ الجزع مستحبّ على الإمام الحسين(عليه السلام)، وفسّر هذا الجزع بما يشمل اللطم؛ فقال(عليه السلام): (أشدّ الجزع: الصراخ بالويل، والعويل، ولطم الوجه، والصدر...)(10).

(1) تهذيب الأحكام 8: 325 حديث (1207) كتاب الإيمان والنذور والكفّارات.
(2) جواهر الكلام 4: 371 أحكام الأموات.
(3) جواهر الكلام 33: 84 الكفّارات، السرائر 3: 78 باب الكفارات.
(4) الإرشاد للمفيد 2: 93 تاريخ الإمام الحسين(عليه السلام)، مقاتل الطالبيين: 75 مقتل الحسين بن عليّ(عليه السلام)، تاريخ اليعقوبي 2: 244 مقتل الحسين(عليه السلام)، تاريخ الطبري 4: 319 سنة إحدى وستّين.
(5) الإرشاد للمفيد 2: 90 تاريخ الإمام الحسين(عليه السلام).
(6) مقتل الحسين للخوارزمي 2: 44 حديث (10)، مقتل الحسين لأبي مخنف: 203، تاريخ الطبري 4: 348 سنة احدى وستّين.
(7) المزار لابن المشهدي: 504 الباب (18) الزيارة (9).
(8) انظر: اللهوف: 144 في رجوع السبايا إلى كربلاء.
(9) كشف الغمّة 3: 112 ذكر الإمام الثامن أبي الحسن علي بن موسى الرضا(عليه السلام)، بحار الأنوار 45: 257 الباب (44).
(10) الكافي 3: 222 كتاب الجنائز باب الصبر والجزع والاسترجاع، وسائل الشيعة 2: 915

لسؤال: الكلام عن حديث النهي عن شقّ الجيوب ولطم الخدود وتنافيه مع الشعائر الحسينية!
روى الشيخ الطبرسي رواية عن الرسول الكريم محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أنّه قال: (ليس منّا من لطم الخدود وشقّ الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية)، وحتّى إن كانت هذه الرواية على لسان أحد الأئمّة الأطهار، فما هو المغزى من هذا الكلام؟
وهل هناك استثناء في قضية لطم الخدود وشقّ الجيوب على سيّد الشهداء الإمام الحسين(عليه السلام)؟
وبما أنّ الحديث لا يشير هنا إلى أيّ استثناء، والواو إحداهما معطوفة على الأُخرى، فما هو الدليل على لطم الخدود وشقّ الجيوب؟ وكيف نحاور الطرف الآخر من المسلمين حول هذه المسألة؟.
الجواب:

هذا الحديث لم يُرو في مصادرنا الحديثية، وإنّما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من العامّة، عن أبي موسى وابن مسعود(1)، وذكره بعض فقهائنا، كالشهيدين في (الترغيب والترهيب)، عن العامّة، وهو حديث معارَض بأحاديث الإباحة، كشقّ أبي محمّد الحسن على أبيه الهادي(عليهما السلام)، وقوله: (قد شقّ موسى على هارون)(2)، مع أنّ معناه مروي(3)، وهو محمول على الكراهة إلاّ على الأنبياء والأئمّة(عليه السلام)، فترتفع الكراهة لوجود النصوص المصرّحة بالجواز، كالتي ذكرناها، وغيرها.
ومن الواضح أنّ النوح بالباطل هو المنهي عنه بقرينة (الدعوة بدعوى الجاهلية) المذكورة والمعطوفة في الحديث، إن صحّ! وهي مسألة فقهية صرّح بعض أساطين علماء العامّة، كالشافعي، فيها بالكراهة(4)، وكلّ مكروه مباح فعله؛ إذ لا إثم على مرتكب المكروه بالاتّفاق!
هذا والحديث المذكور لم نجده في كتب الشيخ الطبرسي على ما بحثناه, إلاّ إذا كان المقصود: النوري الطبرسي، فهو يرويها في المستدرك(5)، عن (مسكّن الفؤاد) للشهيد الثاني، وهو يرويها من طريق العامّة عن أبي مسعود(6).

(1) انظر: مسند أحمد بن حنبل 1: 386، 432، 442، 456، 465، مسند عبد الله بن مسعود،صحيح البخاري 2: 82، 83 باب في الجنائز، 4: 160 كتاب بدء الخلق باب قصّة زمزم، صحيح مسلم 1: 70 كتاب الإيمان باب تحريم ضرب الخدود.
(2) اختيار معرفة الرجال 2: 842 حديث (1084، 1085)، كشف الغمّة 3: 214 ذكر الإمام الحادي عشر(عليه السلام).
(3) تهذيب الأحكام 8: 325 حديث (1208) باب الكفّارات.
(4) كتاب الأمّ 1: 318 كتاب الجنائز باب القيام للجنائز.
(5) مستدرك الوسائل 2: 452 حديث (2443).
(6) مسكّن الفؤاد: 99 الباب الرابع.

السؤال: قول الحسين (عليه السلام) لزينب (لا تشقي عليّ جيباً)
قال الحسين لأُخته زينب في كربلاء كما نقله صاحب (منتهى الآمال) بالفارسية وترجمته بالعربية:
(يا أُختي، أحلفك بالله عليك أن تحافظي على هذا الحلف، إذا قتلت فلا تشقّي علَيَّ الجيب، ولا تخمشي وجهك بأظفارك، ولا تنادي بالويل والثبور على شهادتي).
فلماذا تندبون وتصرخون في ذكراه؟ وتمارسون أغرب الطقوس رغم نهيه؟ ألا يعد هذا عصياناً له رضي الله عنه?
الجواب:

بالنسبة إلى قول الإمام الحسين(عليه السلام) لأُخته الحوراء زينب(عليها السلام) فلا حاجة لذهابكم إلى ترجمة كتاب فارسي، فالقول متداول منشور في كتبنا العربية، كـ(الإرشاد) للمفيد(1)، و(بحار الأنوار) للمجلسي(2). وعلى أيّة حال فالأُمور التي ينبغي عليكم ملاحظتها في هذا الحديث هي:
1- الحديث مرسل، فهو ليس بحجّة من حيث السند.
2- ليس كلّ نهي يدلّ على الحرمة؛ فإنّه كما يوجد النهي التحريمي يوجد النهي التنزيهي، ويمكن أن يكون طلب الإمام الحسين(عليه السلام) لأُخته زينب(عليها السلام) عدم شقّ الجيب من باب الشفقة، أو من باب عدم الوقوع في شماتة الأعداء، ومع عدم وجود الدليل على تعيين أحد المحتملات، فلا مجال لإثبات الحرمة التكليفية من الحديث.
3- ولو سلّم؛ فإنّ الحديث لم يتعرّض إلى لطم الخد، بل المنهي عنه هو خمش الوجه، ومن الجائز أن يكون النهي مخصّصاً بالأُمور الثلاثة دون غيرها، وبالتالي لا ينافي البكاء واللطم والحزن على الحسين(عليه السلام).
4- ولو سلّم؛ فهو معارَض بما ورد عندنا بالسند الصحيح عن الإمام الصادق(عليه السلام) على ما رواه الشيخ الطوسي في (الأمالي)(3) من جواز الجزع على الإمام الحسين(عليه السلام)، بل هذا الخبر الصحيح وغيره من الأخبار الواردة في الحثّ على البكاء على مصيبة الحسين(عليه السلام) مقدّمة على هذا الحديث المرسل؛ إذ التعارض هو فرع الحجّية، أي: أن يكون الخبر حجّة من حيث السند، والخبر الذي أوردتموه مرسل لا حجّية له.

(1) الإرشاد 2: 94 ليلة عاشوراء.
(2) بحار الأنوار 45: 3 بقية الباب (37).
(3) أمالي الطوسي: 162 المجلس(6) حديث (268).

لسؤال: شقّ الجيوب وخمش الخدود ولطم الخدود
هل الإمام الحسين(عليه السلام) أوصى السيّدة زينب(عليها السلام) بعدم النياح وشقّ الجيب وخدش الخدود وغير ذلك؛ حيث يدّعي الخصوم أنّ هناك حديثاً للإمام الحسين(عليه السلام) وهو يخاطب السيّدة زينب(عليها السلام) به، بما معناه أن لا تقوم بنياح عليه وغيره ممّا فعلته زينب بنطح رأسها، وما نفعله الآن في المجالس الحسينية.
أرجو منكم الردّ، وهل هناك حديث من هذا القبيل؟

الجواب:

بخصوص الحديث الوارد عن الإمام الحسين(عليه السلام) لزينب بنت أمير المؤمنين(عليه السلام), فنقول: إنّه لا يخلو إمّا أن يكون خطاباً وحكماً خاصّاً بزينب(عليها السلام)، أو أنّه يشمل غيرها أيضاً؟
فعلى القول الأوّل، فلا علاقة له بغيرها, ومع ذلك فإنّ هناك ملاحظات على هذا الخبر:
أ - إنّ أصل هذا الخبر عندنا حسب تتبّعنا هو: ما رواه الشيخ المفيد في كتاب (الإرشاد), وعنه العلامّة المجلسي في (بحار الأنوار)، وجاء فيه: أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) قال لزينب(عليها السلام): (لا تشقّي علَيَّ جيباً, ولا تخمشي عليَّ وجهاً, ولا تدعي علَيَّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت).
نعم، رواه اليعقوبي في تاريخه مرسلاً أيضاً، ولكن الطبري رواه عند أبي مخنف بإسناد ضعيف(1).
وهذا الخبر لا تعرّض فيه إلى اللطم وغيره من الشعائر التي يقوم بها الشيعة الآن, بل المنهي عنه فيه هو: شقّ الجيب، وخمش الوجه، والدعاء بالويل والثبور، ومن الجائز أن يكون النهي مخصّصاً بالأُمور الثلاثة دون غيرها, وبالتالي لا تنافي رواية ضرب زينب(عليها السلام) رأسها بمقدّم المحمل إن صحّت في ذلك الرواية!
ب - إنّ إثبات صحّة صدور الخبر وبالتالي التكليف الشرعي من الإمام(عليه السلام) لزينب(عليها السلام) يحتاج إلى دليل, ولو كان يمكن إثبات صدور النهي لزينب(عليها السلام) لمجرّد كونها رواية، لصحّ لنا في المقابل أن نثبت صدور نطح زينب(عليها السلام) جبينها بمقدّم المحمل بعد العاشر من المحرّم لوجود الرواية؛ إذ لا مرجّح لرواية على أُخرى.
والرواية التي تنهى زينب(عليها السلام) عن الخمش والشقّ مرسلة كرواية نطح زينب(عليها السلام) رأسها, ولا مرجّح لأحدهما من هذه الجهة على الأُخرى إلاّ أنّ رواية النطح تتوافق مع ما ثبت في السند الصحيح عن الإمام الصادق(عليه السلام) على ما رواه الشيخ الطوسي في (الأمالي)(2) من جواز الجزع على الإمام الحسين(عليه السلام).
ج - ومع كلّ هذا فليس كلّ نهي يدلّ على الحرمة, وكما يوجد النهي التحريمي فهناك النهي التنزيهي أيضاً, مع إمكانية أن يكون طلب عدم شقّ الجيب من باب الشفقة من الإمام على زينب(عليها السلام), أو من باب عدم الوقوع في شماتة الأعداء, ودواعي صيغة (لا تفعل) متعدّدة كما تعلمون, وكما هو ثابت في اللغة والبلاغة, ومع عدم وجود الدليل على تعيّن أحد المحتملات فلا مجال لإثبات الحرمة التكليفية.
أمّا على القول الثاني, فهناك ملاحظات أيضاً، وهي:
أ - كما توجد مثل هذه الرواية فهناك روايات أُخرى في مقابلها, منها: ما روي في آخر الكفّارات من (تهذيب الأحكام) للشيخ الطوسي عن الإمام الصادق(عليه السلام): (وقد شققن الجيوب، ولطمن الخدود - الفاطميات - على الحسين بن عليّ(عليهما السلام), وعلى مثله تلطم الخدود وتشقّ الجيوب)(3).
ومنها: ما روي عن الإمام الحجّة(عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في زيارة الإمام الحسين(عليه السلام) يوم عاشوراء: (فلمّا رأين النساء جوادك مخزياً... على الخدود، لاطمات الوجوه)(4).
ب - لم يلتزم أحد من الفقهاء بهذه الرواية لإثبات الحرمة.
ج - إنّ هناك اختلافاً بين الفقهاء في أصل حرمة اللطم والخدش, وفي (التنقيح في شرح العروة الوثقى) للسيّد الخوئي يقول تعليقاً على عبارة: ((لا يجوز اللطم والخدش)): ((وهذا كسابقه؛ وإن ورد النهي عنه في بعض الأخبار - إلى أن قال: - إلاّ أنّ الأخبار لضعف أسنادها لا يمكن الاعتماد عليها في الحكم بالحرمة بوجه))(5).
وعلى فرض القول بالحرمة فقد استثنيت تلك المحرّمات في عزاء الإمام الحسين(عليه السلام) عند الفقهاء..
يقول السيّد الخوئي في المصدر السابق نفسه: ((نعم استثنى الأصحاب من حرمة تلك الأُمور: الإتيان بها في حقّ الأئمّة والحسين(عليهم السلام), مستندين فيه إلى ما فعلته الفاطميات على الحسين بن عليّ، من لطم الخد وشقّ الجيب, كما ورد في رواية خالد بن سدير))(6).

(1) الإرشاد 2: 94 تاريخ الإمام الحسين(عليه السلام) أحداث ليلة عاشوراء، بحار الأنوار 45: 3، تاريخ اليعقوبي 2: 244 أحداث مقتل الحسين(عليه السلام)، تاريخ الطبري 4: 319 أحداث سنة (61)، الكامل في التاريخ 4: 559.
(2) أمالي الطوسي: 162 المجلس(6) حديث (268).
(3) تهذيب الأحكام 8: 325 كتاب الأيمان والنذور والكفّارات باب الكفّارات حديث (1208).
(4) المزار الكبير للشيخ المشهدي: 504 الباب (18) زيارة الناحية.
(5) التنقيح في شرح العروة الوثقى 9: 231.
(6) التنقيح في شرح العروة الوثقى 9: 235 - 236.

السؤال: الدليل على مشروعية لبس السواد
بالنسبة للبس السواد في مناسبات وفيات أهل البيت(عليهم السلام)، وبالخصوص في أيّام عزاء الإمام الحسين(عليه السلام)، أحببت لو تزوّدوني بالأدلّة التي تجوّز هذا الأمر، وبخاصّة من مصادر إخواننا العامّة.
وما هو الردّ على بعض الروايات الموجودة في الكافي وغيره، والتي تنهى عن لبس السواد؟
مثل هذه الرواية: ((عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: (لمّا فتح رسول الله مكّة بايع الرجال، ثمّ جاء النساء يبايعنه، فأنزل الله عزّ وجلّ... وقالت أُمّ حكيم بنت الحارث بن هشام، وكانت عند عكرمة بن أبي جهل: يا رسول الله! ما ذلك المعروف الذي أمرنا الله أن لا نعصيك فيه؟
قال(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لا تلطمن خدّاً، ولا تخمشن وجهاً، ولا تنتفن شعراً، ولا تشققن جيباً، ولا تسوّدن ثوباً...) ) ))(1).
علماً أنّ هذه الرواية وجدتها مع مصدرها في نشرة دأب الوهّابيون على نشرها في أيّام محرّم، أفيدونا جزاكم الله تعالى خيراً.
(1) الكافي 5: 527 كتاب النكاح.
الجواب:

لقد ناقش الفقهاء في أصل مشروعية لبس السواد، إلاّ أنّ هناك ما يشبه الاتّفاق على جوازه، بل استحبابه في محرّم وعاشوراء حزناً على مصاب الإمام الحسين(عليه السلام)، وإليك ما أورده بعضهم:
1- واستثنى بعضهم ما لبسه للحسين(عليه السلام) فإنّه لا يكره، بل يرجّح لغلبة جانب تعظيم شعائر الله على ذلك، مضافاً إلى روايات متضافرة في موارد مختلفة، يستفاد منها ذلك(1).
2- لا يبعد استثناء لبس السواد في مأتم الحسين(عليه السلام) من هذه الأخبار؛ لما استفاضت به الأخبار من الأمر بإظهار شعائر الأحزان(2).
ولم يبيّن المحقّق البحراني الوجه في عدم شمول هذه الروايات لذلك! والوجه في عدم الشمول هو: إنّ في لبس المؤمنين الثياب السوداء في وفيات الأئمّة(عليهم السلام)، وبالخصوص في أيّام محرّم الحرام، وشهر صفر إظهاراً لمودّتهم وحبّهم لأهل البيت(عليهم السلام)، فيحزنون لحزنهم، وإنّ هذا العمل من المؤمنين إحياء لأمر أهل البيت(عليهم السلام).
وقد روي عنهم(عليهم السلام): (رحم الله من أحيا أمرنا)(3)، فإذا ارتدى عامّة الناس من الرجال والشباب والأطفال الثياب السود، كان ذلك ظاهرة إجتماعية تلفت نظر الغريب، فيسأل: ماذا حدث؟ بالأمس كان الأمر طبيعياً، وكانت ألوان ثياب الناس مختلفة، وأمّا اليوم فقد لبسوا كلّهم السواد؟!
فعندما يوضّح له بأنّ اليوم يوم حزن ومصيبة على ريحانة الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) الإمام الحسين(عليه السلام)، كان هذا الأمر في حدّ نفسه إحياء لأمره(عليه السلام)، ولهذا اشتهر أنّ: بقاء الإسلام بشهري محرّم وصفر، وذلك لأنّ حقيقة الإسلام والإيمان قد أُحييا بواقعة كربلاء، وهذا دليل لا بدّ من المحافظة عليه، لتراه الأجيال القادمة ماثلاً أمامهم، فيحصل لهم اليقين به، فإنّ الإمام الحسين(عليه السلام) نفسه قد أثبت أحقّية التشيّع، وأبطل ما عداه.
ثمّ من الروايات الواردة في استحباب لبس السواد على الإمام الحسين(عليه السلام):
1- ما رواه ابن قولويه: (إنّ ملكاً من ملائكة الفردوس الأعلى، نزل على البحر، فنشر أجنحته عليها، ثمّ صاح صيحة وقال: يا أهل البحار البسوا أثواب الحزن، فإنّ فرخ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) مذبوح)(4).
وفهم الشيخ النوري من هذه الرواية: عدم كراهة لبس السواد، أو رجحانه حزناً على أبي عبد الله(عليه السلام)، كما عليه سيرة كثير من الناس في أيّام حزنه ومأتمه(5).
2- ما رواه البرقي، بسنده عن عمر بن علي بن الحسين، قال: (لمّا قتل الحسين بن عليّ(عليه السلام)، لبسن نساء بني هاشم السواد والمسوح، وكنّ لا يشتكين من حرّ ولا برد، وكان علي بن الحسين(عليه السلام) يعمل لهنّ الطعام للمأتم)(6).
وهذه الرواية إضافة إلى دلالتها على مشروعية لبس السواد، بل استحبابه في عاشوراء، تدلّ على أُمور أُخرى، منها: استحباب إقامة المأتم، والإطعام، والقيام بخدمة مقيمي مأتم عزاء الإمام الحسين(عليه السلام)، حيث كان الإمام السجّاد(عليه السلام) شخصيّاً يقوم بهذه الخدمة، وكفى بذلك مقاماً لمقيمي المآتم.
وفي الفتاوى نرى ما يلي: إنّ من الثابت استحباب مواساة أهل البيت(عليهم السلام) مطلقاً، بحزنهم وفرحهم؛ لعموم ما دلّ على ذلك، ولاستحباب التأسّي بهم، فقد جاء في الروايات ما دلّ بالخصوص على ذلك في شهر محرّم..
فقد ورد أنّ بعض الأئمّة(عليهم السلام) كانت أيّام محرّم أيّام حزنه، وعزائه ومصابه، ونحن مأمورون باتّخاذهم أُسوة مطلقاً.
وأمّا بالنسبة إلى الرواية المانعة التي ذكرتموها عن الكافي - إن صحّت سنداً - فإنّها تدلّ على المنع على نحو الإطلاق، فيخصّص ذلك الإطلاق بالروايات المجوّزة، كالرواية التي يرويها الشيخ الطوسي عن الإمام الصادق(عليه السلام)، أنّه قال: (وقد شققن الجيوب، ولطمن الخدود - الفاطميات - على الحسين بن عليّ(عليه السلام)، وعلى مثله تلطم الخدود، وتشقّ الجيوب)(7).
وما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام): (إنّ البكاء والجزع مكروه للعبد في كلّ ما جزع ما خلا البكاء والجزع على الحسين بن عليّ(عليهما السلام)؛ فإنّه فيه مأجور)(8).
فلبس السواد، ولطم الخدود، وخمش الوجوه، وغيرها، وإن كانت مكروهة إلاّ أنّ كراهيتها ترتفع إذا كانت للإمام الحسين(عليه السلام).

(1) شرائع الإسلام 1: 56 لباس المصلّي هامش(84) للسيّد صادق الشيرازي.
(2) الحدائق الناضرة 7: 118 كتاب الصلاة، لباس المصلّي.
(3) قرب الأسناد: 36 حديث (117).
(4) كامل الزيارات: 143 الباب (22) حديث (168).
(5) مستدرك الوسائل 3: 328 كتاب الصلاة، أبواب أحكام الملابس الباب (48) ذيل حديث (3704).
(6) المحاسن 2: 420 كتاب المأكل الباب (25) حديث (195).
(7) تهذيب الأحكام 8: 325 كتاب الأيمان والنذور والكفّارات باب الكفّارات حديث (1207).
(8) كامل الزيارات: 201 الباب (32) حديث (286).

السؤال: تخصيص روايات كراهة لبس السواد بما إذا كان حزناً على الحسين(عليه السلام)
سمعت رواية تقول: (لا تلبسوا السواد فإنّه لباس فرعون)!!
هل هذه الرواية صحيحة، وإذا كانت كذلك أليس فيها تعارض مع لبسنا السواد في أحزان محمّد وآل محمّد؟.
الجواب:

حمل العلماء هذه الرواية على كراهة لبس السواد مطلقاً، أو النهي عن اتّخاذه زيّاً وشعاراً، كما اتّخذه فرعون وبني العبّاس, وأمّا لبس السواد على الحسين(عليه السلام) فهو مخصص لهذا الإطلاق؛ لما ورد فيه من روايات.
وقد نصّ العلماء على ذلك؛ فقد قال البحراني: ((لا يبعد استثناء لبس السواد في مأتم الحسين(عليه السلام) من هذه الأخبار؛ لما استفاضت به الأخبار من الأمر بإظهار شعائر الحزن، ويؤيّده: ما رواه شيخنا المجلسي(قدس) عن البرقي في كتاب المحاسن، أنّه روى عن عمر بن زين العابدين(عليه السلام)، أنّه قال: (لمّا قتل جدّي الحسين المظلوم الشهيد لبس نساء بني هاشم في مأتمه ثياب السواد...).. الحديث(1).

(1) الحدائق 7: 118 كتاب الصلاة لباس المصلّي، المحاسن 2: 42 كتاب المأكل الباب (25) حديث (195)، نقل بالمعنى.

السؤال: حكم الإطعام في مجالس إحياء الشعائر
إنّ بعض إخواننا من السنّة يقول: لا يجوز الأكل من مائدة يوم عاشوراء ومثيلاتها؛ لأنّها أُقيمت لغير الله تعالى، فما هو الردّ عليهم؟
الجواب:
إنّ الذبح والإطعام تارة يضاف لله تعالى فيقال: ذبح لله، وإطعام لله، ومعناه: أنّه ذبح لوجهه تعالى، وتقرّباً إليه، كما في الأضحية بمنى وغيرها، والفداء في الإحرام، والعقيقة، وغير ذلك.
وتارة يضاف إلى المخلوق، وهنا مرّة يضاف إلى المخلوق بقصد التقرّب إلى المخلوق طلباً للخير منه، مع كونه حجراً أو جماداً، كما كان يفعل المشركون مع أصنامهم، فهذا شرك وكفر سواء سمّي عبادة أو لا.
ومرّة يضاف إلى المخلوق بقصد التقرّب إلى الخالق، فيقال: ذبحت الشاة للضيف، أو ذبحت الشاة للحسين(عليه السلام)، وأطعمت للحسين(عليه السلام)، أو لغيره من أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، وهذا لا محذور فيه؛ لأنّه قصد ثواب هذه الذبيحة، أو هذا الطعام للحسين(عليه السلام)، أو لأحد من أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).
ونظيره: من يقصد أنّي أطحن هذه الحنطة لأعجنها، وأخبزها، وأتصدّق بخبزها على الفقراء، وأُهدي ثواب ذلك لوالدي.. فأفعاله هذه كلّها طاعة، وعبادة لله تعالى لا لأبويه.
ولا يقصد أحد من المسلمين بالذبح للحسين(عليه السلام)، أو بالإطعام له، أو غيره، التقرّب إلى الإمام الحسين(عليه السلام) دون الله تعالى، ولو ذكر أحد من المسلمين اسم الإمام الحسين(عليه السلام)، أو أحد الأئمّة(عليهم السلام) على الذبيحة، لكان ذلك عندهم منكراً، وحرّمت الذبيحة، فليس الذبح لهم، بل عنهم، بمعنى أنّه عمل يهدي ثوابه إليهم، كسائر أعمال الخير.
والخلاصة: إنّ الإطعام يوم عاشوراء إطعام لله تعالى، صحيح أنّه أُطلق عليه: إطعام للحسين(عليه السلام)، ولكن قصد: أنّ ثوابه للحسين(عليه السلام)، وليس هو إطعام لغير الله تعالى، كما يتوهّمه الوهّابيون.


تعليق على الجواب (1)
بسم الله الرحمن الرحيم
حينما اقول هذه ألذبيحه لابو فاضل (ع) فاني حتما أقصد له هذا لالغيره هذا أذا ماكان هناك نذر مسبق لقضاء حاجه واذا قضية حاجتي فأني سوف أستمر على هذا وهل ألنذور لله أم لعباده ألصالحون

الجواب:

ان معنى النذر أن يجعل الشخص لله على ذمته فعل شيء أو تركه, لكن الاختلاف في المنذور له, فمرة أقول النذر للفقراء, ومرة للعلماء, وأخرى للأئمة, وهكذا.
فالنذر للأئمة (عليهم السلام) وكذلك لأبي الفضل العباس لا يغير من حقيقة النذر, بل تبقى حقيقته جعل شيء لله على ذمته لكن المنذور له أختلف فصار هنا مصرف النذر إلى أبي الفضل, ولما كان أبا الفضل العباس متوفى صرف في جهة راجعة الى المنذور له, كتأمين نفقة المحتاجين من زواره أو على ما فيه إحياء ذكره وإعلاء شأنه, فقولك هذا لأبي الفضل ليس معناه أن النذر له, بل المنذور له, ولا إشكال في ذلك.

سؤال: الضرب بالسلاسل نوع من التأسّي
نشاهد على شاشة التلفاز شباب يضربون أنفسهم بسلاسل من حديد، وذلك لإحياء ذكرى الشهيد الحسين(عليه السلام), فما هو معنى هذا الفعل؟
الجواب:

إنّ شعائر الضرب بالسلاسل على الظهور قد يكون لها منشأ من نفس أحداث واقعة كربلاء، تقريباً وتعبيراً عمّا كان يتعامل به أعداء أهل البيت من إيذاء وضرب، وممارسات الأسر في حقّ النساء والأطفال، ضرباً على ظهورهم بالسياط، لذا يعمل الموالون على إحياء هذا المشهد المأساوي الذي قدّمه أهل بيت العصمة وعيالاتهم في سبيل نصرة الدين والتضحية من أجل إحياء الإسلام المحمّدي الأصيل.
وفلسفة هذه الأعمال والشعائر للمصيبة الحسينية أنّها تهدف إلى إحياء روح التأسّي والتأثّر والولاء لأهل البيت(عليهم السلام)، الذين أمر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أُمّته بالتمسّك بهم من بعده مع الكتاب الكريم، وجعلهم عِدلاً له، كما هو الوارد في الحديث المعروف: (إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما فلن تضلّوا بعدي أبداً)(1).
وبغضّ النظر عن معنى هذا الفعل فإنّ للشيعي الموالي الحرّية في اختيار السلوك الذي يعبّر به عن حزنه ومواساته للسبط الشهيد وأهل بيته وأصحابه، ما لم يدخل ذلك في دائرة الحرام.
وعليه، فإنّ مختلف الشعائر الحسينية مفتوحة للتطوّر بمرور الزمان، كما أنّها تطوّرت إلى ما نشاهده اليوم عمّا كانت عليه سابقاً عبر تراكم العادات، واختلاف أشكال التعبير.

(1) مسند أحمد 3: 14، 17، 26، 59 مسند أبي سعيد الخدري، المستدرك على الصحيحين 3: 109، 148، السنن الكبرى للنسائي 7: 30، مجمع الزوائد 9: 163 - 164.

يتبع


رد مع اقتباس
قديم 10-09-2017, 05:24 PM   رقم المشاركة : 5
الكاتب

الشيخ عباس محمد


الملف الشخصي









الشيخ عباس محمد غير متواجد حالياً


افتراضي

لسؤال: تعليل بسيط للتطبير والضرب بالسلاسل ا

أُريد تعليل واضح ومقنع على التطبير والضرب بالسلاسل والتجريح في المواكب الحسينية الطاهرة، لأنّي محتاج لتفسير مقنع للمخالفين على هذه الأعمال المباركة.
الجواب:

نستطيع أن نذكر لك تعليلاً بسيطاً لا بدّ أن يكون مقبولاً عندك وعند الآخرين، وهو: عند السؤال عن الأعمال المستجدّة التي يعملها المكلّف ولم تكن في عصر التشريع، كركوب الطائرة والسيارة وغيرها.. ما هو نظر المشرع لها؟ سيكون الجواب: إنّ الأصل في الأشياء الإباحة.
فالذي لم يرد نصّ على تحريمه يكون مباحاً، كذلك الحال في هذه الأعمال فإنّه لما لم يرد النصّ بتحريمها تكون مباحة.
نعم, قد يقال: إنّه ورد نصّ على حرمة إضرار المكلّف نفسه.
قلنا: إنّه ليس مطلق الضرر هو المنهي عنه, بل الضرر الكبير غير المحتمل, فالذي يتناول طعاماً كثيراً قد يسبّب له آلاماً، وقد يؤدّي إلى أعراض أُخرى مؤذية على المدى البعيد, إنّ مثل هكذا ضرر لا يعتبر محرّماًً، فكذلك الحال بالضرب بالسلاسل والتطبير، فإنّها لا تسبب ضرراً كبيراً، بل مجرّد جروح بسيطة لا تتجاوز في آلامها عن الحجامة التي هي من الأعمال المحبّذة.
ولو فرض أنّ شخصاً تجاوز الحدّ وضرب نفسه بقوة بحيث أدّى ذلك إلى التأثير على الجمجمة والرأس والدماغ، فإنّ عمله هذا يعدّ محرّماً، ولا يحصل هذا عادةً في التطبير.

السؤال: لماذا تطبير الأطفال؟
ماذا تقولون في ممارس التطبير على الأطفال(دون الـ 10 سنوات)؟ لماذا?
الجواب:

إنّ إجبار الأطفال على هكذا أعمال أمر مرفوض، أمّا إذا كان لهم رغبة واستعداد لذلك، كما نشاهده عند بعض الأطفال، فهو أمر عائد لهم ولأوليائهم، وليس فيه أيّ محذور؛ فإنّ الطفل الراغب بالتطبير مستعدّ لتحمّل الألم، وبالتالي تكون له خطوة في بناء شخصيته، ونحن لا ننكر تأثير العائلة والبيئة والجوّ العام في التأثير على الطفل، وليكن كذلك، فإنّ مثل هذه الممارسات في بناء الأطفال الذكور معروفة في كلّ المجتمعات قديمة وحديثة، وما تعلّمهم لأنواع القتال والرياضات منذ نعومة أظفارهم، والتي لا تخلو من الألم، إلاّ نوع من هذا البناء الاستعدادي..
ولا يفرق بين الأمرين بأنّ تعلّم الأطفال مثل هذه الرياضات يجعل منهم عند مجتمعهم أبطالاً رياضيين؛ فإنّ الأمر كذلك بالنسبة لمجتمع الطائفة الشيعية، فإنّ الهدف من تعليم الأطفال التطبير هو زرع الاستعداد لديهم، ولكن نوع الاستعداد يختلف، والمناط واحد.

السؤال: الضرب بالسلاسل والتطبير
وردت في إحدى الروايات: (شيعتنا منّا...ويحزنون لحزننا)..
هناك أساليب كثيرة لإظهار الحزن على مصاب أهل البيت(عليهم السلام)، منها أن تتعلّم علومهم وتعلّمها للناس، أو أن يحييها كما أحياها الأئمّة، من قبيل التجمّع والرثاء، وشدّة البكاء والحزن.
لماذا يتمّ التركيز على تعذيب النفس من قبيل (التطبير، والضرب بالسلاسل، أو اللطم بشكل عنيف)، مع العلم أن مثل هذه الأفعال (بشكلها الحالي) لم تكن موجودة في عصر الأئمّة؟
الجواب:

إنّ هؤلاء الذين يفعلون مثل هذه الأمور يختلفون في نواياهم، فقسم لشدّة حزنه وتفاعله مع المصيبة ينفعل بالمقدار الذي يؤذي به جسده، كما هو الحال عند الجازع على أيّة مصيبة أُخرى، فأنت لا تستطيع أن تتكلّم مع هذا الجازع، وتقول له: لماذا تفعل بنفسك هكذا؟ لأنّه قد تكون تلك الأفعال أشبه بالأفعال اللا إرادية.
نعم، أنت تستطيع أن تبيّن له أنّ جزعه هذا على مصائبه الدنيوية غير صحيح، فإذا خرج من حالة الجزع توقّف عن تلك الأفعال..
وكذلك مع مصيبة الإمام الحسين(عليه السلام)، إلاّ أنّ الفرق هنا أنّك لا تستطيع أن تقول له: لا تجزع لهذه المصيبة؛ لأنّ الجزع هنا غير مكروه، وإذا حصلت حالة الجزع فما عليك إلاّ أن ترى آثار ذلك الجزع، كاللطم والبكاء والعويل، والضرب بالسلاسل، والتطبير، وغيرها من الأمور المؤذية للجسد، التي هي آثار لذلك الجزع.
وقسم آخر ينظر إلى التطبير والضرب بالسلاسل واللطم بأنّه حالة من المواساة لإظهار الاستعداد والولاء للحسين(عليه السلام) من خلال تحمل المشاقّ والآلام والمتاعب، وفرق كبير بين من يظهر الولاء بالكلام مثلاً، وبين من يظهر الولاء بأُمور صعبة على النفس ومؤذية، فتحمّل هذه الصعاب معناه: صدق الولاء وصدق الاستعداد.
ولعلّ قسماً ثالثاً ينظر لهذه الأُمور على أنّها وسيلة للإبكاء وإثارة المشاعر.
ثمّ إنّه لا يضرّ هذه الأُمور أن تكون غير موجودة في عصر الأئمّة(عليهم السلام) بعد كونها من مظاهر الجزع الجائز في الشريعة، فاختلاف مظاهر الجزع من عصر إلى عصر، وجواز ذلك الجزع لا يعني أنّه ليس لها مشروعية، بل مشروعيتها من مشروعية جواز ذلك الجزع، أو قل: ما دامت تلك الأًمور من مظاهر الإبكاء، والإبكاء على الحسين(عليه السلام) محبّذ بالشريعة، ووردت فيه نصوص، فدخلت تلك الأُمور تحت ذلك العنوان، أو قل: أنّها أصبحت من شعائر الله، وتعظيم شعائر الله جائز ومحبّذ في الشريعة.


تعليق على الجواب (1)

هذه الأجوبة عمومية وإسنادها غير واضح!!
اللطم والزناجيل والتطبير لم يفعله الأئمّة(عليهم السلام)، فلماذا نفعله نحن؟ لماذا لا تكون مجالس العزاء كمجالس المرحوم الشيخ الوائلي؟
الجواب:

الفقهاء لا يتوصّلون إلى الحكم الشرعي فقط عن طريق الروايات، بل لو لم يكن لفعل من الأفعال أيّة رواية فإنّهم يستطيعون الحكم على تلك الأفعال بالجواز وعدم الجواز، بل بالوجوب، أو الاستحباب، أو الكراهة، أو الإباحة، أو الحرمة.
فلو لم يرد عندنا دليل من السنّة على التطبير أو الضرب بالسلاسل، فهل معناه أنّ هذا الفعل حرام؟!
كلاّ إنّ الفقهاء لا يقولون بذلك، بل على العكس من ذلك يقولون: إنّ الأصل في الأشياء: الإباحة والجواز، لا الحرمة.
ثمّ إنّ تعظيم الشعائر يكون بطرق مختلفة، فنحن كما نشجّع على مجالس الوعظ والإرشاد، فإنّنا أيضاً لا بدّ من أن نحافظ على الشعائر الحسينية، وعلى ديمومتها وانتشارها، لِما في ذلك من رفعة للدين الحقّ، ونصرة للمذهب، ولا مجال في الأحكام الشرعية للاستحسانات، وإنّما تخضع للقواعد المقنّنة في علم الأُصول.
ثمّ إنّ الأحكام لم ترد كلّها بصورة جزئية حتّى نطالب بالروايات الخاصّة، وإنّما قسم من الأحكام جاء على شكل قواعد كلّية، وعلى الفقيه أن يفرّع عليها الفروع والجزئيات؛ فلاحظ!



تعليق على الجواب (2)

أنا من مؤيّدي الشعائر الحسينية؛ لأنّها من شعائر الله، ولكن ليس بالتطبير والضرب بالسلاسل للأسباب التالية:
1- ينتج عنها ضرر بالبدن، والأئمّة(عليهم السلام) لم يوصونا بإيذاء أنفسنا.
2- أنّها ليست مبررة لإظهار الحزن.
3- أنّها لا تعكس ثقافة الشارع الشيعي، بل تؤثّر سلباً على تراث أهل البيت(عليهم السلام).
فالذي أرجوه منكم هو توعية شبابنا على اجتناب هذه الظاهرة. وأسال الله أن يحشرنا وإيّاكم مع محمّد وآل محمّد.
الجواب:

إنّ البحث في الضرب بالسلاسل والتطبير يكون من جهتين:
1- من جهة الحلّية والحرمة، وهذا مبحوث عند العلماء، وقد أفتوا بالجواز، وأنّ الحكم الأوّلي هو الحلّية، وإن حكم بعضهم بعدم الجواز بالحكم الثانوي.
2- من جهة مناسبته الآن في هذا العصر للوضع العام للشيعة، وهذه الجهة هي مورد الأخذ والردّ في هذا الوقت. وللكلام فيها مجال بين المؤيّد والمخالف.
وأخيراً... إنّ ما ذكرت من نقاط يمكن المناقشة فيها، وقد تختلف المناقشة إذا أخذناها كأدلّة على أحد الجهتين؛ فلاحظ!


تعليق على الجواب (3)
الغريب أنّنا لا نجد من المراجع، أو أساتذة الحوزة الكبار، أو الشخصيات الدينية الكبيرة، سواء رجالات المنبر، أو غيرهم من رجال الدين المعممين من شيوخ وسادة، يقومون بتلك الأفعال، من ضرب الزنجيل والتطبير، وحتى اللطم تراه يفعله بعضهم بطريقة كلاسيكية، ربّما كما يفعل بعض الخطباء بشهقتهِ لأثارة العواطف والحزن والمشاعر الجيّاشة..
بل إنّي سمعت مرّة من أحد المعمّمين بأنّ تعلّم، أو تعليم، مسألة دينية معيّنة وضبطها يعادل كلّ تلك الأُمور الأُخرى، لذا كيف تُترك العامّة يفعلون ما يفعلون تحت عنوان: (ومن يعظّم شعائر...)؟
يعني: شيخنا! ربّما، والله العالم، لو أنّ المكلّف وتحديثاً للشعائر، ومن باب آخر عمل طريقة لمعايشة الألم والمرارة بدل التطبير والزنجيل وعرّض نفسه للرطوبة وعرّض نفسه لصعقة كهربائية إلى حد تشعره بالألم ولا تؤدّي إلى فقد وعيه أو قتله... الله العالم، ربّما ستدخل تحت العنوان: ومن يعظّم؟!
(على فكرة! هذا المثل ليس بقصد السخرية، يشهد الله وصاحب العصر والزمان عجّل الله فرجه).
شيوخنا الكرام أساتذتنا العظام في المركز العقائدي، وأنا لا أعرف اللجنة المجيبة، ولكن خطر في بالي الأُستاذ الكبير الشيخ الجليل محمّد السند أعزّه الله، وأمّا الشيوخ الكرام الذين لم أتشرّف بأسمائهم، فحفظهم الله بحقّ وجه صاحب الزمان أرواحنا وأرواح العالمين لمقدمه الفداء... عندي تعليق أو سؤال إضافة إلى ما طرحته أعلاه:
هل يجوز التطوير في الشعائر، كما تفضلّتم أنّها تناسب كلّ زمان؟
ونحن في العراق الجريح ولا سيّما البصرة، وفي مناطق بائسة، وسخة، بشرها مسحوق، شبابها عاطل، أليس من الأجدر بدل هذه المصاريف أن يحدث تطوير في الشعائر: من خلال تنظيف المناطق، إدخالهم دورات تعليمية متنوعة، افهام ما هي الثقافة الحسينية، أو أي صورة أُخرى تخدم المواطن العاشق للحسين(صلوات الله عليه)؟!
طرح فكرة: ممنوع طبخ أي طعام حتى بثواب الإمام(صلوات الله عليه) كسراً لأُنوف محتكري الغاز والرز وغيرها من الأغذية!
نعم، هناك أمور من مسؤولية الدولة، ولكن ماذا نفعل مع تجاهل الدولة، إذاً نستثمر الحبّ الحسيني للتطوّر وإنشاء إنسان عالمي حسيني، خاصّة وأنّنا نرى هناك مصاريف في محرّم والأربعينية مصاريف كبيرة وعجيبة...
حينما ظهر ذلك الرجل في أمريكا في صبيحة العاشر من محرّم، وهو يرتدي بدلة عمل زرقاء وأخذ بتنظيف الشارع بصورة جنونية، الناس تعرفه موظّف محترم، ماذا يفعل هذا؟ لم يصبروا...؟ فسألوه: ماذا يحدث؟! أنت عامل في البلدية أم موظّف رسمي محترم؟
كان هذا الإنسان الحسيني الرائع قال: إنّ اليوم يصادف استشهاد إمامنا الحسين(عليه السلام)، الذي علّمنا كلّ شيء، الشهادة، والتضحية، والعلم، والعدالة، والتطوّر، والنظافة، وأنا احترت ماذا أفعل! فاخترت هذا العمل..
النتيجة تأقلم الجميع وتناوبوا بلبس بدلاتهم لمساندته بالعمل؛ احتراماً لذلك العظيم الذي زرع هذه البذور في محبّيه بعد مئات السنين، فكانت صورة حيّة تواكب التطوّر والحداثة والعولمة...
مجدّداً ليس القصد إلغاء صور الحزن والمرارة والألم، وإنّما تحديثها وتقديمها بصورة عالمية، تعطي الإنسان الكرامة في الحياة وفي الممات...
اعتذر ألف مرّة على الإطالة والإزعاج..
الجواب:

ما يقوله الفقهاء تجاه هذه الأعمال هو: القول بإباحة تلك الأعمال، وبعض يقول باستحبابها من جهة دخولها في شعائر الله، والأعمال المباحة والمستحبّة غير ملزم المكلّف بالعمل بها، بل قد يرى بعض المكلّفين أنّ هناك عملاً أكثر ثواباً، فلذا يقدّمونه على تلك الأعمال، وهذا يرجع إلى تشخيص ذلك المكلّف؛ فقد يرى بعض العلماء أنّ الاشتغال بالوعظ والإرشاد والبكاء والإبكاء ذو ثواب عظيم، كما ورد في الأخبار، ولذا يرى الاشتغال به مقدّم على التطبير والضرب بالزنجيل؛ ولكن هذا لا يعني عدم القبول بتلك الأعمال، فعدم العمل بها أعمّ من القبول أو الرفض.
ثمّ إنّه لا بدّ من معرفة أنّ سرّ تعريض المحبّين للإمام الحسين(عليه السلام) أنفسهم لأصناف الآلام، من الإدماء واللطم والضرب هو: القول بلسان الفعل: أنّهم على استعداد لتحمّل الآلام من أجل الإمام الحسين(عليه السلام) والسير على نهجه، وما الإدماء والضرب وغيرها إلاّ نموذج من تلك النماذج، وإلاّ فهم على استعداد لأكثر من ذلك..
وشاهدنا في العراق أيام النظام البائد كيف أنّ محبّي الحسين(عليه السلام) سطّروا أروع لوحات الصبر من صمودهم تحت وطأة التعذيب بالكهرباء، وصمودهم تحت سياط الجلادين، دون أن يكون ذلك رادع لهم عن محبّتهم للإمام الحسين(عليه السلام) ونهجه، فالظالمون ابتدعوا طرقاً جديدة لإخافة الحسينيين، لكن الحسينيون سطّروا وسيسطّرون لوحات من الصبر ترهب الظالمين، وتظهر لهم عدم خوفهم من أشدّ أنواع العذاب.
وأمّا ما تطرحه من أفكار من أجل تطوير الشعائر الحسينية، فقد ينظر إليها على أنّها حَرفٌ للشعائر الحسينية عن المسار الذي سارت به من إظهار مظلومية الإمام الحسين(عليه السلام)، والاستعداد للنصرة على يد حفيده الإمام المهدي(عجّل الله فرجه)، الذي سوف يظهر يوم عاشوراء، فإذا كان هناك تطوير للشعائر الحسينية فلا بدّ أن يكون بإبدال آلات الحرب القديمة بأُخرى حديثة وعرضها يوم عاشوراء؛ استعداداً لظهور صاحب العصر والزمان(عجّل الله فرجه) الذي سيجابه الأعداء بالوسائل الحديثة.
وأمّا وجود أعمال أُخرى، مثل: الخيرات العامّة، كما ذكرت أنت بعض الأمثلة فهي تصبّ في صالح الجماعة المؤمنة، فلا نمنع حصول من فعلها على الثواب الجزيل، الذي ربّما يكون أكثر من ثواب بعض أعمال العزاء والتشبيه، ولكن يجب أن تلاحظ أنّ كلّ ذلك مربوط بالنيّة ومدى إخلاصها بعلاقة طردية.



تعليق على الجواب (4)
...
ولكن هذه الشعائر، من ضرب وإدماء، ليس لها تأصيل، وإنّما جاءت حديثة، التأصيل الوارد هو فقط كان في البكاء، وما جاء بعد ذلك من إباحة، طُرح من العلماء الأبرار وليس من القرآن أو الأئمّة(عليهم السلام)، إنّني العبد الحقير أتعجّب من إباحة التطبير وغيرها، رغم عدم وروده في القرآن والسُنّة والعقل والإجماع، بينما لا يجوز الإفطار في الطائرة التي توصلني بساعات بقمّة الراحة في بعض الجوانب، أو رؤية الهلال المحرّمة بالمرصاد، وأنا أقول: إنّ الإسلام هو العلم، إنّ الثورة الحسينية أرادت صنع إنسان أراده الله خليفة على الأرض، بالله عليكم! ما الجدوى من إدماء الرأس؟!
لدينا هنا في البصرة، وهم يسيرون في منطقة ملئت بالقذارة، والحسين العظيم الذي هو في الجنّة، وخلوده كما يذكرون سرمدي، ماذا يقول؟ وكيف ينظر لي، وليس لدينا شيء مطلقاً؟
العلماء الأجلاء سيقولون: نعم مأجور، لمواساة الحسين الشهيد. ولكن المعروف أنّ الشهيد ليس ميت بطريقة مذلّة، وإنّما بمفخرة، الحسين العظيم وأصحابه الكرام وأهله النجباء، أكيد لم يستشهدوا لأجل الشيعة أو السُنّة، ولا لأجل الهريس، أو الزيارة، أو الطبخ، أو غيرها من هذه العناوين، الاستشهاد كان بعنوان قضية عالمية تتوافق مع كلّ الأزمنة والأمكنة، فربّما لو أنّ هناك شعوب في أوربا تغلّبت على الظلم وقدّمت لإنسانها الخدمات التي تذكره بأنّه إنسان، مع وجود العقيدة الصحيحة، لربّما شمتله النفحة الحسينية.
نحن نردّد دوماً قول غاندي، الذي لم يضرب زنجيل أو غيره: ((تعلّمت من الحسين أن أكون مظلوماً فانتصر))، وقدّم هذه الثورة بمقاطعة الأقمشة البريطانية، فانظر ماذا حصل؟
لدينا تجّار يصرفون مصاريف هائلة لو أصبحت بشكل مشاريع لدعم الشباب العاطل وجعل الثورة الحسينية ثورة على غياب الصناعة الوطنية، بدل من الصناعة الكويتية والسعودية والأردنية، الله أعلم ماذا سيصنعون وفق العقيدة الحسينية الصحيحة، الله العالم ماذا سيقول الإمام الحسين(عليه السلام)..
أرجو إجابتكم، وأرجو فهم قصدي.
مع امتناني الكبير وشكري.
الجواب:

أوّلاً: لم نفهم ماذا تقصد بالتأصيل، ولعلك تريد منه وجهان:
أحدهما: أنّه لم يرد فعل هذه الأُمور من الأئمّة(عليهم السلام)، على طريقة استدلال من يدّعون اتّباع السلف؛ فإنّ هذا الإشكال يطرح منهم لردّ هذه الأُمور، وهو مبني على ما هو سائد عندهم من اتّجاه فكري، فيطرحون مقايسة في أذهانهم ويسألون: لمَ تفعلون هذه الأُمور ولم ترد من قبل الأئمّة (عليهم السلام)على اعتبار أنّهم سلف لنا؟
والجواب سيتّضح من الوجه الثاني.
ثانيهما: أنّك تريد أنّه لم ترد روايات تأمر أو تجوّز هذه الأُمور، ولذا فلا مدرك شرعي لها استند إليه العلماء في إباحتها.
والجواب عليه: الأحكام في الشريعة جاءت بطرق مختلفة.. منها: ما يبيّن الحكم الشرعي الجزئي لأغراض ودواعٍ مختلفة؛ كسؤال بعض المعاصرين للإمام عن الحكم، فيأتي الجواب، وتنقل لنا الرواية بهذا الحكم.
ومنها: ما جاء على شكل أحكام كلّية يترك تطبيقها للمكلّفين، وأكثر ما جاء من هذه الروايات من قبل أصحاب الأئمّة الفقهاء، اضافة للقواعد الكلّية الموجودة في القرآن، أو التي صدرت من الأئمّة(عليهم السلام) لدوافع مختلفة.
ومنها: ما جاءت لبيان بعض القواعد الكلّية في عملية استنباط الحكم الشرعي، وهي أيضاً لتعليم أصحاب الأئمّة من الفقهاء ومن يأتي بعدهم كيفية الاستنباط، وقد جمع بعض علمائنا هذه القواعد في كتب خاصّة، وأكثر ما تبحث في علم أُصول الفقه، ولك أن تراجع ذلك.
ومثل هذه الطرق في كيفية إلقاء الحكم الشرعي موجود حتى في القوانين الوضعية.
ومن ضمن هذه القواعد الكلّية المستخدمة في الاستنباط، هناك بعض القواعد تبيّن وظيفة المكلّف فيما لو لم يصل إليه حكم شرعي، أي: تُعيّن له ماذا يعمل، وتسمّى هذه القواعد بالأُصول العملية، فهي لا تعطي حكماً شرعيّاً، وإنّما تعطي وظيفة تعيّن له مساره في العمل والفعل الخارجي.
والفقهاء(رضوان الله عليهم) يعتمدون في استنباطهم للأحكام على كلّ هذه الطرق الواردة في الأحكام الشرعية؛ فحكمهم بالإباحة يستند في جانب من أدلّته إلى الأُصول العملية، وهي قواعد، كما قدّمنا، علّمنا إيّاها الأئمّة، وثبتت حجّيتها في الشريعة..
وإذ لا حكم جزئي في الروايات في مثل هذه الأُمور، كالضرب بالسلاسل والتطبير، حدّد العلماء الموقف العملي منها بأنّها: مباحة، كما هو الأمر في حكمهم بإباحة التدخين مثلاً، ومن ناحية أُخرى استندوا إلى قاعدة كلّية أُخرى واردة في القرآن، وهي: إحياء شعائر الله والحثّ عليها، فما يشخّص من مفردات وسلوك عملي للمكلّفين على أنّه من إحياء الشعائر، سوف يدخل في حكم الاستحباب؛ لهذه القاعدة.
ومن هنا يظهر ما في قولك: ((رغم عدم وروده في القرآن والسُنّة والعقل والإجماع)) من خطأ واستعجال! وعدم اطّلاع على بحوث العلماء! وقد ذكرنا في أجوبتنا ضمن العنوان العام لإحياء الشعائر بعض وجوه الاستدلال؛ فراجع!
ثانياً: إنّنا لم نعرف ماذا تقصد بـ((بينما لا يجوز الإفطار في الطائرة التي توصلني بساعات بقمّة الراحة في بعض الجوانب))!
وأمّا رؤية الهلال وكونها غير المعتبرة بالمرصاد، فهو ناتج عمّا استنبطه العلماء من ظاهر الروايات بحسب القواعد المقرّرة عندهم للاستنباط؛ فراجع تلك البحوث!
ثالثاً: ونحن أيضاً نؤكّد على أنّ الثورة الحسينية أرادت صنع الإنسان، وأنّها من ضمن التخطيط الإلهي، وكذلك نوافق على أنّ الإسلام يحثّ على العلم ولا يستدلّ إلاّ بالعلم، ولكن حسب الموازين الثابتة في العلم، لا حسب الذوقيات والاستحسانات؛ فإنّ اختلاف وجهات النظر لا يعدّ علماً.
ولم نعرف ما هي الملازمة العلمية بين جواز إدماء الرأس وبين قذارة الأزقة في البصرة! فأي علاقة بين الحكم الشرعي بما هو حكم شرعي وبين تقصير أفراد أو مسؤولين من المجتمع، أو حتى ضعف الوعي الثقافي للمجتمع ككلّ؟!
ونحن لا نوافق على استمرار الإهمال بحجّة إقامة الشعائر الحسينية، ولكن لا نلغي ذلك بسبب هذه، ولا ندّعي أنّ الحسين(عليه السلام) يوافق على ابقاء التخلّف والقذارة والتقصير من جانبنا, ولكن أيّ ربط بين هذه وهذهِ؟!!
رابعاً: والعلماء الأجلاء يقولون: إنّ من يواسي الحسين(عليه السلام) ويحيي الشعائر مأجور عند الله سبحانه، ولا يقولون: أنّ من قصّر أو تخلّف مأجور، ولكن من أين نثبت ما تحاول أن تدّعيه: أنّ هذه الشعائر هي سبب التخلّف؟! إنّ هذا الرأي عليه ألف علامة استفهام واستفهام!! والأمر لا يتأتّى بالذوقيات والاستحسانات.
خامساً: نعم، إنّ الحسين(عليه السلام) قتل بكرامة وعزّة وشرف، ولكن هل معنى ذلك أن ننصب له مجلس فرح وسرور، أم أنّ الواجب علينا المواساة لهذه المصيبة؟!
وهو (عليه السلام) لم يستشهد من أجل الهريس والطبخ، وإنّما الهريس والطبخ من أجل الحسين(عليه السلام)، وهي داخلة في سياق عام وسلوك شرعي وإجتماعي لإدامة مسيرة الحسين(عليه السلام) وإبقاء ذكراه وإعلاء شأنه، كيف وممارسة النذر لله شعيرة شرعية ثابتة في كلّ الديانات، مع أنّ الذهن لا يحتمل احتياج الله إليها؟! أو أنّ الشريعة قرّرت من أجل ذبح النذر وتقديم القرابين، ولكن لكلّ ذلك غايات يدركها المتأمّل.
سادساً: نحن لا نعترض على أنّ الحسين(عليه السلام) استشهد من أجل الإنسانية، بل نؤكّد عليه، كما نعتقد أنّه ثار ضدّ الجهل والانحراف والظلم، ومن أجل إقامة حكومة عادلة في جميع المجالات، ومنها: رفاه الناس، ولكن أيّ تلازم موجود بين إقامة الشعائر، وبين حصول التخلّف كما تصرّ عليه في سؤالك؟! فهل تقصد أنّ إقامة هذه الشعائر هو الذي أدّى إلى التخلّف وعدم وجود الخدمات؟ إنّ مثل هذه الشعار كان يروّج له أزلام صدام حسين المقبور.
ثمّ من قال من العلماء أو الفضلاء بوجوب الالتزام بالشعائر وترك خدمة الناس وإقامة العدل؟! بل إنّهم يصرّحون بأنّ إقامة العدل أفضل من إقامة الشعائر، وربّما تكون خدمة الناس والتبرّع في مجالات خيرية أفضل من التبرّع للطبخ وأمثاله، وربّما يكون الأمر في بعض الأحيان بالعكس.
إنّ مثل هذه الأُمور لا يمكن أن تنضبط تحت إطار واحد، فلكلّ عمل ميزانه ومقوماته وظروفه الخاصّة.
ومن قال لك أنّنا نرفض قول غاندي لأنّه لم يضرب بزنجيل؟!
بل نقول: إنّ الالتقاء بثورة الحسين(عليه السلام) لا يحدّه طريق أو وسيلة معيّنة، مع وجود التفاضل بين هذه الوسائل، فليس لأنّه لم يظهر لنا قائدٌ مثل غاندي (مع أنّ هذا الفرق غير صحيح، بل عندنا أفضل من غاندي بعدّة مراتب) فرضاً، فإنّه يجب أن نمنع الناس من العزاء على الحسين(عليه السلام)!
أو إنّ عدم وجود صناعة وطنية عندنا هو بسبب خروج مواكب العزاء والزنجيل!
فهل تعتقد حقّاً أنّه إذا منعنا مواكب العزاء سوف ينهض العراق إلى مصاف الدول الأُخرى؟!!
وما المانع من أن نقاطع البضائع الأجنبية ونخرج للعزاء في نفس الوقت؟!
ألم يعلّمنا الحسين(عليه السلام)، الذي نخرج لأجله، الإباء والحرّية والكرامة؟!
ونحن لا نقول: أنّ كلّ ما يصرف في المواكب الحسينية من قبل التجّار هو أفضل مورد لها، ولكن الناس تقبل على السهل اليسير، والمقطوع بالقبول في نظرها، وهم أحرار في أموالهم، ولو طرحنا المشكلة بصورة موضوعية وارتفع الوعي، لربّما كان الأمر بالاتجاه الأفضل والأحسن لخدمة الحسين(عليه السلام) وأهله، وتقدّم المجتمع بالمشاريع الخيرية.
ولكن هذا لا يعني أنّ ما يتبرّعون به للمواكب لا يوافق العقيدة الحسينية الصحيحة، فعليك أن لا تنسى أنّ هذه المواكب وهذه الشعائر هي التي أدّت إلى بقاء واستمرار جذوة الثورة الحسينية في قلوب أبناء شعبنا، وبقيت متواصلة مستمرة عبر الأجيال من الأجداد الى الأبناء؛ فتأمّل!

السؤال: الضرر في التطبير
البعض يقولون: كيف نتطبّر مع أنّ التطبير مضر؟
وإن لم يكن مضرّاً، فهو ممّا لا يعقل دخوله ضمن الدين وشعائره؟
الجواب:

إنّ موضوع التطبير له بحث خاصّ من الناحية الشرعية، ولا نريد أن ندخل فعلاً في هذا الباب، ولكن الذي نودّ أن نذكّر به في مورد السؤال هو: أنّه لا دليل على حرمة مطلق الضرر، وإلاّ لكان أكثر المباح حراماً، وهو كما ترى لا يمكن الالتزام به.
وأمّا دخوله ضمن الشعائر فهو يتبع مشروعية العمل أوّلاً، وتأثيره الإيجابي عند الناس ثانياً.
ولا نقول حينئذ انّه من صميم الدين، بل هو من مصاديق الشعائر الحسينية، التي تشدّ المؤمنين بواقعة كربلاء، وتحثّهم على التضحية والفداء في سبيل عقيدتهم.


تعقيب على الجواب (1)
ا
السؤال هو: عن التطبير والقول الصحيح فيه؟ والجواب عن هذه الشبهة: من يقول بجواز التطبير فإنّه يقول: إنّ التطبير من الحجامة؛ فلا إشكال فيه، كذلك إنّ الأصل في الأشياء الحلّ، ولم يأتِ دليل بالتحريم، والتطبير كذلك..
وكذلك العقيلة زينب(سلام الله عليها) حين ضربت برأسها مقدّم المحمل أمام الإمام زين العابدين(سلام الله عليه) ولم ينكر عليها.. وكذلك إنّ الفاطميات خمشن وجوههنّ..
وإنّ التطبير لا يوهن المذهب، مثله مثل رمي الجمرات في الحجّ مثلاً..
وإنّ قضية الضرر وما يترتّب عليها يجاب عليها: بما ورد عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمّة من بعده(عليهم السلام)؛ فقد ورد عن بعضهم القيام في الليل حتّى تتشقّق أقدامهم، وما ورد من أنّ بعض الأئمّة(عليهم السلام) حجّ ماشياً، كالإمام الحسن والسجّاد(عليهما السلام) حتّى تورمت قدماه.. ألا يكون هذا فعل جائز مع وقوع الضرر في فعله، فيكون كذلك التطبير فيه ضرر، ولكن جائز الفعل، مثله مثل القيام في الليل حتّى تتفطر القدم ويحصل الضرر؟!! وورد في زيارة الناحية المقدّسة: (ولأبكينّ عليك بدل الدموع دماً).
كما ورد في الروايات أنّ كلّ جزع منهي عنه إلاّ الجزع على الإمام الحسين(عليه السلام)، فيكون هنا خصوصية لجواز فعل التطبير، بل واستحبابه، مثل:
ما ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام): (فأحيوا أمرنا يا فضيل، رحم الله من أحيا أمرنا).
ما ورد عن الإمام الرضا(عليه السلام): (انّ يوم الحسين أقرح جفوننا).
ما ورد عن الإمام السجّاد(عليه السلام) أنّه كان يبكي حتّى يمتزج في الإناء دموعه مع دم خارج من عينه.
ما ورد عن الإمام السجّاد(عليه السلام) من أنّه يقوم الليل حتّى تتفطر قدماه، وهذا فيه ضرر، ومع ذلك لم يترك هذا الأمر؛ إذ ليس كلّ أمر فيه ضرر يكون محرّماً.

تعقيب على الجواب (2)
عظّم الله لكم الأجر بمصاب الإمام الحسين(عليه السلام)، وجعلكم الله من الطالبين بثأره مع إمام منصور من أهل بيت النبوّة(عليهم السلام).
أمّا بالنسبة إلى مسألة التطبير، فإنّها من الأُمور التي جعلها العلماء من المستحبّات، هذا من الناحية الفقهية، فإنّنا نجد البعض - ومنهم بعض الشيعة - ينتقدوننا على هذا العمل، وذلك لجهلهم الفائدة المتوخّاة من ذلك، من جهة، ولِما يؤثّره الإعلام الوهّابي ومن كان على شاكلتهم من جهة أُخرى.
فأقول إلى أخوتي الشيعة: لا تتسرّعوا بالحكم على شيء لا تعرفون أبعاده.
وأمّا بالنسبة إلى صحّته، فنقول:
1- ضرب السيّدة زينب(عليها السلام) رأسها بمحمل الرحل، وسيل الدماء من تحت القناع أمام الإمام زين العابدين(عليه السلام)، عندما رأت أهل الكوفة خرجوا ينظرون إليهم، ولم يمنعها الإمام(عليه السلام) من ذلك.
2- ذكر الأئمّة(عليهم السلام): (إنّ يوم الحسين(عليه السلام) أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا...)(1)، وأنّ في القرح ألم للناس، فلو كان الحرمة في ذلك لنهوا الناس.
3- قول الإمام الحجّة المنتظر(عليه السلام) في زيارة الناحية: (لأبكينّ عليك بدل الدموع دماً)(2)، فلو كان الإدماء حراماً فلماذا يفعل ذلك الإمام(عليه السلام)؟
4- إنّه ليس كلّ ما يؤلم الإنسان حرام، وإلاّ لحرم الختان للصبيان، وثقب الأذن والأنف.
5- إنّ في التطبير تأسّي بالإمام الحسين(عليه السلام) الذي ضحّى بالغالي والنفيس من أجلنا، والذي لم يبقَ مكان في جسده إلاّ وقد أُدمي، وهو ينادي: (وأقلّه ناصراه)، فلو خرج من قبره لوجد هذه الحشود التي تلبس الأكفان، ومخضّبة بالدماء جنوداً مجنّدة تحت رايته، فهذه الدماء أسوة بدماء الحسين(عليه السلام)، وما أجمل هذه الأسوة من أجل رجل قدّم كلّ ما يملك من أجل رضا الله.
واعلموا أنّ في التطبير رضاً لله تعالى، ولرسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وللإمام(عليه السلام)، كما قال أحد المراجع.
وهناك أسباب عديدة أخرى للتطبير، يطول المقام بذكرها، وعظّم الله لكم الأجر.
(1) الأمالي للشيخ الصدوق: 190 المجلس(27) حديث (199).
(2) المزار الكبير: 501 الباب (18).

تعليق على الجواب (1)
:
قرأت تعليقكم: ضرب السيّدة زينب(عليها السلام) برأسها بمحمل الرحل, وسيل الدماء من تحت القناع, أمام الإمام زين العابدين(عليه السلام) عندما رأت أهل الكوفة خرجوا ينظرون إليهم...الخ.
ولكنّي أتساءل: أين مصادرك عن كلامك؟ حيث لم تذكر المصدر, رغم إنّني أًؤيد المجالس الحسينية، ولكنّني لا أُؤيد التطبير وضرب الزنجيل.
الجواب:

1- لقد ذكر ضرب زينب لرأسها بمقدّم المحمل، كما ذكر صاحب (بحارالأنوار)(1).
2- لقد ورد في (الأمالي) عن الإمام الرضا(عليه السلام): (إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذلّ عزيزنا بأرض كرب وبلاء، وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فإنّ البكاء يحطّ الذنوب العظام)(2).
3- ورد في كتاب (المزار) للمشهدي زيارة خرجت من الناحية المقدّسة(عليه السلام)، قال في فقراتها: (ولأبكينّ عليك بدل الدموع دماً...)(3).
هذه هي مصادر ما ذكره عصام الحسيني في تعليقه على سؤال: الضرر من التطبير.

(1) بحار الأنوار 45: 115.
(2) أمالي الصدوق: 190 المجلس(27) حديث (199).
(3) المزار: 501 الباب (18).

السؤال: حكم التطبير
عرفت أنّ بعض العلماء يحرّمون التطبير، فكيف يمكن أن يتردّد الأمر بين الحرمة وبين الاستحباب، فهناك تفاوت كبير؟!
الجواب:

كلّ عمل لم يرد فيه نهي أو حرمة من الشريعة يكون الأصل فيه الإباحة، فالتطبير بالعنوان الأوّلي مباح عند جمهور الفقهاء، فإنّه وإن كان فيه ضرر, فإنّ هذا الضرر لا يوصله إلى مرحلة الحرمة, نعم لو كان في التطبير إزهاق نفس أو تلف عضو وما شابه ذلك فإنّه يدخل تحت عنوان الحرمة.
وأمّا الذين يقولون بحرمة التطبير، فإنّهم يقولون بحرمته بالعنوان الثانوي من جهة أنّ هذا العمل يولّد في هذا العصر نفوراً من المذهب أو الدين الإسلامي. والذي يقول باستحبابه يقول باستحبابه لدخوله تحت عنوان الشعائر.
فلا تناقض إذاً في الأحكام؛ فالفقهاء جميعاً متّفقون على أنّه إذا ولـّد هذا العمل نفوراً، أو ضرراً يُعتدّ به، أو إذا كان العمل يخالف مصلحة المذهب أوجب القول بحرمته، أو كراهته حسب الحكم الثانوي، وإذا دخل تحت عنوان الشعائر يقال باستحبابه. ويجب على كلّ مكلّف اتّباع المرجع الذي يقلّده في هذه المسألة، مثل جميع المسائل الفقهية.

السؤال: أدلّة جواز تحمّل الأذى حزناً على أولياء الله
هل يوجد دليل على جواز تحمّل الأذى حزناً على أولياء الله؟
الجواب:

هناك نصوص كثيرة تدلّ على مشروعية تحمّل الأذى حزناً على أولياء الله وأصفيائه، نذكر منها ما يلي:
1- إنّ النبيّ يعقوب(عليه السلام)، بكى على ولده النبيّ يوسف(عليه السلام) - على الرغم من علمه أنّه على قيد الحياة - حتـّى ابيضّت عيناه من الحزن، وقد قال له أبناؤه أيضاً: (( قَالُوا تَالله تَفتَأُ تَذكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَو تَكُونَ مِنَ الهَالِكِينَ )) (يوسف:85).
2- لقد بكى الإمام السجّاد(عليه السلام) على أبيه، حتـّى خيف على عينيه(1), بل خيف عليه أن يكون من الهالكين أيضاً(2).
3- كما أنّ الإمام السجّاد(عليه السلام) حين رأى الشهداء صرعى، كادت نفسه الشريفة تخرج، فقالت له عمّته السيّدة زينب(عليها السلام): (ما لي أراك تجود بنفسك...)(3).
4- وفي زيارة الناحية المقدّسة: (ولأبكينّ عليك بدل الدموع دماً، حسرة عليك، وتأسّفاً على ما دهاك وتلهّفاً، حتـّى أموت بلوعة المصاب، وغصّة الاكتئاب)(4).
5- وعن الإمام الرضا(عليه السلام): (إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا)(5).
6- روي أنّ الإمام السجّاد(عليه السلام)، كان يبكي عند شرب الماء، حتـّى يجري الدمع في الإناء(6).
7- يذكرون أنّ السيّدة زينب(عليها السلام) قد ضربت جبينها بمقدّم المحمل، حتـّى سال الدم من تحت قناعها(7).
8- حين عاد السبايا إلى المدينة، ((فما بقيت في المدينة مخّدرة ولا محجّبة إلاّ برزن من خدورهنّ مكشوفة شعورهنّ، مخمشة وجوههنّ، ضاربات خدودهنّ))(8).
وهكذا جرى في الكوفة أيضاً، حين وصل السبايا إليها؛ إذ خطب حينئذ الإمام السجّاد(عليه السلام)، وأُمّ كلثوم، وفاطمة بنت الحسين(عليه السلام)(9).
9- روي عن الإمام الصادق(عليه السلام): أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يعترض على نساء الأنصار في ما فعلن في أنفسهنّ بعد قضية أُحد؛ حيث إنّهنّ قد خدشن الوجوه، ونشرن الشعور، وجززن النواصي، وخرقن الجيوب، وحرمن البطون على النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم), فلمّا رأينه قال لهنّ خيراً، وأمرهنّ أن يستترن، ويدخلن منازلهنّ(10).

(1) مناقب آل أبي طالب 3: 303، بحار الأنوار 46: 108 حياة الإمام السجّاد(عليه السلام).
(2) كامل الزيارات: 213 الباب(35) حديث (306)، أمالي الصدوق: 204 المجلس(29) حديث (221)، الخصال: 273 باب الخمسة، بحار الأنوار 12: 264.
(3) كامل الزيارات: 444 الهامش (ملحق كامل الزيارات قسم الزيادات)، بحار الأنوار 28: 58 كتاب الفتن.
(4) المزار: 15 الباب (18) زيارة الناحية المقدّسة، بحار الأنوار 98: 238 و241 و317 و320.
(5) أمالي الصدوق: 190 المجلس(27) حديث (199)، بحار الأنوار 44: 284.
(6) تاريخ النياحة 6: 146، عن جلاء العيون للسيّد عبد الله شبّر، وعن أعيان الشيعة.
(7) بحار الأنوار 45: 115، الفردوس الأعلى: 19 - 22، المجالس الفاخرة: 298.
(8) اللهوف: 114، بحار الأنوار 45: 147، دعوة الحسينية: 117.
(9) انظر: اللهوف: 88، بحار الأنوار 45: 112.
(10) الكافي 8: 318، بحار الأنوار 20: 107 - 109، تفسير الصافي 1: 387، تفسير نور الثقلين 1: 398.

يتبع


رد مع اقتباس
قديم 10-09-2017, 05:24 PM   رقم المشاركة : 6
الكاتب

الشيخ عباس محمد


الملف الشخصي









الشيخ عباس محمد غير متواجد حالياً


افتراضي

السؤال: الشعائر الحسينية بدعة أم لا؟
هل يصحّ إطلاق عنوان البدعة على الشعائر الحسينية الجديدة؟
الجواب:

لا يصحّ إطلاق البدعة على الشعائر الحسينية أبداً؛ لأنّ الشعائر الحسينية مصاديق ورموز تعبيرية عن مفهوم الحزن على استشهاد الإمام الحسين(عليه السلام) الذي أكّد عليه أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)؛ فقد قال الإمام الصادق(عليه السلام): (رحم الله من أحيا أمرنا)(1).
وقال الإمام الرضا(عليه السلام): (من جلس مجلساً يحيي فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب)(2), وقد وردت كثير من الروايات في هذا المجال.
وأمّا بالنسبة إلى مصاديق الشعائر فإنّ للحزن على سيّد الشهداء طرق مختلفة، وكلّ فئة تعبّر عن حزنها بأُسلوبها وطريقتها المألوفة عندها, والتعدّد في هذه الأساليب لا صلة له بالبدعة أبداً, وإنّما هذه المصاديق يصحّ التمسّك بها في ما لو كانت مؤيّدة من قبل العُرف, وحتّى لو كانت غير مؤيّدة من الناحية العرفية, فإنّها لا تكون بدعة، بل تصبح أمراً شاذّاً، وأُسلوباً تعبيرياً غير معروف وغير متعارف بين الناس، ويتوجّه إليها النقد من هذه الجهة لا من ناحية أُخرى.

(1) قرب الأسناد: 32 حديث (105)، بحار الأنوار 2: 151 الباب (19) حديث (30).
(2) أمالي الصدوق: 131 المجلس(17) رقم 119(4).

سؤال: اقامتها ليست بدعة
ما ردّكم على من يعتبر لطم الصدور ومواكب العزاء بدعة؟
الجواب:

انّ مجالس العزاء التي تقام لاهل البيت (عليهم السلام) - خصوصاً لابي عبد الله (عليه السلام) - بشكل عام أو التي تقام لذوي الفضل والفضيلة بشكل خاص ليست ببدعة . لان البدعة إدخال ما ليس من الدين في الدين ومجالس العزاء لذوي الفضل والفضيلة - فضلاً عن أهل البيت (عليهم السلام) والحسين (عليه السلام) - من الدين لوجود النصوص الشرعيّة من النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته المعصومين (عليهم السلام) على استحباب إقامتها ورجحانها . منها :
1- روى البخاري في صحيحه في باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن ، بسنده عن عائشة قالت : لما جاء النبي (صلى الله عليه وآله) قتل ابن حارثة وجعفر وابن رواحه جلس يعرف فيه الحزن . قال القسطلاني في الشرح بعد قوله : جلس . أي في المسجد كما في رواية أبي داود (إرشاد الساري 2 / 393 ) .
2- روى البخاري في صحيحه في الباب المذكور بسنده عن أنس قال : قنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) شهراً حين قتل القرّاء فما رأيت رسول الله حزن حزناً قط اشدّ منه . ( إرشاد الساري 2 / 396 ) .
فاذا جاز القنوت شهراً لاظهار الحزن عليهم جاز الجلوس لذلك ولنقتصر على هذا القدر من الروايات وإن أردتم التفصيل فعليكم بمراجعة كتاب ( سيرتنا وسنتنا ) للعلاّمة الأميني.
وأمّا اللطم على الصدور فهو من حيث الأصل مباح شرعاً إذا كان القيام به لهدف مشروع وغرض عقلائي ولم يترتّب عليه ضرر كبير . ودليلنا الشرعي على جوازه ما رواه الشيخ الطوسي في (التهذيب 2 / 283) في آخر الكفّارات عن الامام الصادق (عليه السلام) أنّه قال : ( ولقد شققن الفاطميات الجيوب ولطمن الخدود على الحسين بن علي ، وعلى مثله تلطم الخدود وتشق الجيوب ) .
وأيضا ذكره الشهيد في الذكرى في البحث الرابع من المطلب الثالث من أحكام الاموات . وهناك وجوه تدل على حسنه وصحته نذكر أهمها :
الاول : توقّع الثواب من الله سبحانه وتعالى والأجر حيث ان اللطم على الصدور هو مصداق من مصاديق إظهار الحزن وعلامة من علامات الحب والولاء الشديد لأهل البيت (عليهم السلام) المظلومين أو للحسين الشهيد الذي ضحى بكل شيء من أجل الدين .
الثاني : تعظيم شعائر أهل البيت (عليهم السلام) وتعزيز عظمتهم وتكريم مقامهم أمام الرأي العام .
الثالث : يرمز الى تأييد الحسين (عليه السلام) في ثورته المباركة وإعلان الثورة العاطفية على الظلم والظالمين والتعبير عن أعمق مشاعر الاستنكار والسخط ضد أعداء الحق والعدل . اذن ظهر من هذا ان اللطم على الصدور ليس ببدعه بل هو أمر جائز بل راجح اذا كان لأجل مظلومية أهل البيت (عليهم السلام) لا سيما الامام الحسين (عليه السلام).

السؤال: مع فرض وجود التشابه في الطقوس بين الديانات فلا دلالة فيه على البطلان
كثير من مراسم عزاء الإمام الحسين(عليه السلام) هي مأخوذة من مراسم المسيحية في شرق أوروبا، (مثل النعش الرمزي وتمثيل المعركة ومظاهر إيذاء النفس)، أدخلتها الدولة الصفوية لتقويض التشيّع.
الجواب:

إنّ أشكال وأنماط الطقوس، سواء كانت عزائية أو غيرها، عند شعوب العالم تدخل في خانة التراث، أو الفلوكلور الشعبي لهذه القومية أو تلك، والتلاقح والتزاوج بين الأقوام في مثل هذه الطقوس بشكلها الخارجي، مع اختلاف قليل، نابع من طبيعة كلّ شعب أو قومية، وهو أمر ثابت في علمي التاريخ والإجتماع, ولكن هذا ليس له أدنى علاقة بالعقيدة، فإنّ كلّ قومية أو شعب يكون الطقس المعين عنده يرمز لما في ضميره من رموز أو مفاهيم مقدّسة لا توجد عند القومية الأُخرى، وإن كان هناك تشابه بين الطقسين, نعم لا نمنع حدوث الانتقال بالنسبة للمفاهيم المقدّسة بين الشعوب والقوميات الأُخرى أيضاً، ولكن هذا يحتاج إلى أدلّة أُخرى غير مجرّد التشابه، فضلاً عن التشابه البعيد، أي: في جزئية معينة بين طقسين عند ديانتين أو قوميتين مثلاً.
وهنا نقول:
أوّلاً: نحن نمنع وجود التشابه التام أو الغالب، ونناقش بما يظهر من بعض تشابهٍ جزئي، بأنّ إرجاعه إلى أصل واحد لا يعدو كونه مدّعى من قبل المستشرقين من دون أدلّة، واتّبعهم بعض الكتّاب المقلّدين مدفوعين بأغراض مذهبية لا تخفى.
ثانياً: إنّ هذا التشابه المدّعى لو سلّم لا يدلّ على وجود ارتباط عقيدي من نوع ما، بل أكثر ما يدلّ على وجود تداخل وتعايش بين قوميتين أو ديانتين حصل بينهما نوع من التلاقح الثقافي في التراث الشعبي ليس إلاّ.
ثالثاً: إنّ أوجه التشابه المدّعاة (النعش الرمزي وتمثيل المعركة وإيذاء النفس) لا تنحصر في ديانة أو قومية معيّنة، وإنّما نستطيع أن نجد لها جذوراً مشابهة حتّى عند الأقوام والديانات القديمة، ممّا يدلّ على وحدة الوازع والمبدأ عند البشرية ككلّ لمثل هكذا طقوس.
ويبقى النقاش في أصل ما ترمز له هذه الطقوس والمقدّسات، هل هو حقّ أو باطل؟ فلاحظ!

السؤال: الرؤية الغربية للشعائر الحسينية
في زمن الفضائيات وسهولة انتقال الخبر، هل يصحّ القول بأنّ ما يقوم به الشيعة في مختلف البلدان في مناسبة عاشوراء، وخصوصاً القاسي منه، يؤدّي إلى عكس صورة غير حضارية عن الطائفة في بلاد الغرب؟
الجواب:

أوّلاً: إنّ للغرب معاييره ومناهجه ومفاهيمه عن الحياة، وله أيضاً قِيَمه التي يؤمن بها، ويلزم نفسه برعايتها... ولنا نحن قيمنا ومفاهيمنا، وديننا ومناهجنا، فلماذا نلزم أنفسنا بالتقيّد بما يرضيهم عنّا، أو بما يسمّى: حضارة حسب مقاييسهم؟!
ولماذا لا يكون العكس؟! أو لماذا لا نلتزم نحن وإيّاهم بما يرضي الله تعالى, فنعمل على توحيد المناهج والمفاهيم, وتحديد المثل والقيم الصحيحة، لتكون هي الأساس في التعامل فيما بيننا وبينهم..
إنّ إرضاء الغرب عن المسلمين، أو عدم إغضابهم، من الأمور المستحيلة ما دام المسلمون متمسّكين بدينهم وبقيمهم، قال تعالى: (( وَلَن تَرضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم )) (البقرة:120).
ثانياً: إنّ التزامنا بالتخلّي عن كلّ ما يزعج الغرب، أو بما لا يسمّى حضارة عندهم، سوف ينتهي بنا إلى التخلّي عن ثوابت بالغة الحسّاسية في ديننا الحنيف؛ فإنّ الغرب مثلاً لا يرتاح لقتل القاتل، ولا لرجم الزاني، ولا لقطع يد السارق، ولا... ولا... ويرى أنّ هذه أُمور خلاف الحضارة، فهل نتخلّى عن ذلك كلّه، ونغضب الله تعالى لكي يرضى عنّا الغربيون أو غيرهم؟!
ثالثاً: إنّه إذا كان في بعض المراسم العاشورائية بعض القسوة على الذات, فإنّ لدى الغربيين كثير من مظاهر القسوة على الذات وعلى الغير, من إنسان أو حيوان, ممّا لا يمكن أن يقبله وجدان, أو يقرّه شرع أو دين, وهي قسوة لا تهدف إلى تأييد الدين, وليست من أجل الإنسان, بل هي قسوة من أجل الدنيا وزبارجها وبهارجها... وذلك كما في حلبات الملاكمة؛ فإنّها خير شاهد على بعض مظاهر هذه القسوة البالغة، وتلك هي ساحات مصارعة الثيران, أو حرق الطيور أو دفنها وهي لا تزال حيّة, فضلاً عمّا يفعله بعضهم بنفسه في تمثيل صلب المسيح على حدّ زعمهم, وكثير سواه، وما يعرض على شاشات التلفاز بعض يسير منه...
إنّ من يفعل ذلك كلّه من أجل الدنيا، وبدافع الأنا، لا يحقّ له أن يعترض على بعض مظاهر القسوة على الذات, من أجل معنى إنساني سام ونبيل، أو لتجسيد قيمة إيمانية في نطاق دعوة الناس إليها، وتربيتهم عليها...
رابعاً: إنّ أحداً لم يزعم أنّ مراسم عاشوراء، التي يستظهر منها بعضهم القسوة والعنف، ممّا يجب القيام به على كلّ أحد، وفي كلّ زمان ومكان, ويجب عرضها على شاشات التلفاز على الفضائيات, أو في المواقع التي يوجب عرضها فيها بثّ الرعب في نفوس الناس، وصدودهم عن قبول الحقّ.
بل الذي يؤكّد عليه علماؤنا ومراجعنا هو: أنّ إجراء هذه المراسم ليس حراماً، ولكنّهم يشترطون الامتناع عن فعلها أو عرضها في المواضع والمواقع التي ينشأ عنها وهن في المذهب, أو إحداث رعب لدى الناس، وصدود عن الحقّ...
ولكن بشرط أن يكون الرعب والصدود ظاهرة عامّة في الناس, لافتة للنظر، أمّا الحالات النادرة أو الشاذة, فلا يلتفت إليها, ولا يعوّل عليها...
والحمد لله, والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمّد وآله الطاهرين.

السؤال: الأدلّة القرآنية على جواز الاحتفال بأفراح أهل البيت(عليهم السلام)
ما هو الدليل على جواز إقامة الاحتفالات في أفراح محمّد وآل محمّد؟ على أن يكون الجواب من المصادر السنّية.
الجواب:

هناك استدلالات عديدة لجواز الاحتفال بمولد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأهل بيته(عليهم السلام)، استدلّ بها علماء الفريقين ردّاً على الوهّابية، التي ترى أنّ الاحتفال بمولده(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بدعة، من الأدلّة:
1- قوله تعالى: (( ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّم شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقوَى القُلُوبِ )) (الحج:32)، باعتبار أنّ شعائر الله تعالى هي أعلام دينه، خصوصاً ما يرتبط منها بالحجّ؛ لأنّ أكثر أعمال الحجّ إنّما هي تكرار لعمل تاريخي، وتذكير بحادثة كانت قد وقعت في عهد إبراهيم(عليه السلام)، وشعائر الله مفهوم عامّ شامل للنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولغيره، فتعظيمه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لازم.
ومن أساليب تعظيمه: إقامة الذكرى في يوم مولده ونحو ذلك، فكما أنّ ذكرى ما جرى لإبراهيم(عليه السلام) من تعظيم شعائر الله سبحانه، كذلك تعظيم ما جرى للنبيّ الأعظم محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يكون من تعظيم شعائر الله سبحانه.
2- قوله تعالى: (( ذَكِّرهُم بِأَيَّامِ اللهِ )) (ابراهيم:5)، فإنّ المقصود بأيّام الله: أيّام غلبة الحقّ على الباطل، وظهور الحقّ، وما نحن فيه من مصاديق الآية الشريفة؛ فإنّ إقامة الذكريات والمواسم فيها تذكير بأيّام الله سبحانه.
3- قوله تعالى: (( قُل بِفَضلِ اللهِ وَبِرَحمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَليَفرَحُوا )) (يونس:58)، إذ من المصاديق الجليّة لرحمة الله سبحانه هو: ولادة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، الذي أرسله الله رحمة للعالمين، فالفرح بمناسبة ميلاده(صلّى الله عليه وآله وسلّم) مطلوب ومراد.
4- قوله تعالى: (( وَرَفَعنَا لَكَ ذِكرَكَ )) (الشرح:4)، فإنّ الاحتفالات بميلاده(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما هي إلاّ رفع لذكره، وإعلاء لمقامه.
5- قوله تعالى: (( قُل لاَّ أَسأَلُكُم عَلَيهِ أَجراً إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُربَى )) (الشورى:23)، بأنّ مودّة ذوي القربى مطلوبة شرعاً، وقد أمر بها القرآن صراحة، فإقامة الاحتفالات للتحدّث عمّا جرى للأئمّة(عليهم السلام) لا يكون إلاّ مودّةً لهم.
6- قوله تعالى: (( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ )) (الاعراف:157)، باعتبار أنّ إقامة الاحتفال للتحدّث عنه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيه نوع من التعظيم والنصرة له.
7- قوله تعالى: (( رَبَّنَا أَنزِل عَلَينَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارزُقنَا وَأَنتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ )) (المائدة:114)، فقد عدّ يوم نزول المائدة السماوية عيداً وآية، مع أنّها لأجل إشباع البطون..
فيوم ميلاده(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويوم بعثته، الذي هو مبدأ تكامل فكر الأُمم على مدى التاريخ أعظم من هذه الآية، وأجلّ من ذلك العيد، فاتّخاذه عيداً يكون بطريق أولى.
8- قوله تعالى: (( وَالضُّحَى * وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى )) (الضحى:1-2)، فقد قال الحلبي: ((أي: وقد أقسم الله بليلة مولده(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قوله تعالى: (( وَالضُّحَى * وَاللَّيلِ ))، وقيل: أراد بالليل: ليلة الإسراء، ولا مانع أن يكون الإقسام وقع بهما، أي: استعمل الليل فيهما))(1).
9- إنّ الاحتفال بالمولد سُنّة حسنة، وقد قال(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من سنّ سنّة حسنة كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها)(2).
10- إنّ جلّ أعمال مناسك الحجّ ما هي إلاّ احتفالات بذكرى الأنبياء؛ فأمر الله تعالى باتّخاذ مقام إبراهيم مصلّى إحياء لذكرى شيخ الأنبياء إبراهيم(عليه السلام)..
أمّا السعي بين الصفا والمروة فهو تخليد لذكرى هاجر حينما عطشت هي وابنها إسماعيل، فكانت تسعى بين الصفا والمروة، وتصعد عليهما لتنظر: هل ترى من أحد؟
ورمي الجمار تخليد لذكرى إبراهيم(عليه السلام)، حينما ذهب به جبرائيل إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيّات، فساخ.
وذبح الفداء إنّما هو تخليد لذكرى إبراهيم(عليه السلام) أيضاً، حينما أُمر بذبح ولده إسماعيل(عليه السلام)، ففداه الله بذبح عظيم.
وفي بعض الأخبار: إنّ أفعال الحجّ إنّما هي احتفال بذكرى آدم(عليه السلام)؛ إذ تاب الله عليه عصر التاسع من ذي الحجّة بعرفات، فأفاض به جبرائيل حتّى وافى إلى المشعر الحرام فبات فيه، فلمّا أصبح أفاض إلى منى، فحلق رأسه أمارة على قبول توبته، وعتقه من الذنوب، فجعل الله ذلك اليوم عيداً لذرّيّته.
فأفعال الحجّ كلّها تصير احتفالات. وأعياداً بذكرى الأنبياء، ومن ينتسب إليهم، وهي باقية أبد الدهر.
وأخيراً: أكمل الأدلّة على جواز إقامة الاحتفال بمولد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، هو دليل الفطرة - والدين والشرع منسجم تماماً مع مقتضيات الفطرة ومتطلّباتها - فقد اعتاد الناس انطلاقاً من احترامهم للمثل والقيم التي يؤمنون بها، على احترام الأشخاص الذين بشّروا بها، وضحّوا في سبيلها، وارتبطوا بهم عاطفيّاً وروحيّاً كذلك..
ورأوا: أنّ إحياء الذكرى لهؤلاء الأشخاص، لم يكن من أجل ذواتهم كأشخاص، وإنّما من أجل أنّهم بذلك يحيون تلك القيم والمثل في نفوسهم، وتشدّ الذكرى من قوّة هذا الارتباط فيما بينهم وبينها، وترسّخها في نفوسهم، وتعيدهم إلى واقعهم.
وهكذا يقال بالنسبة للاحترام الذي يخصّون به بعض الأيّام، أو بعض الأماكن، وقديماً قيل:
مررت على الديار ديار ليلى ***** أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حبُّ الديار شــغفن قلبي ***** ولكن حبّ من سكن الديارا
ويلاحظ: أنّ الاهتمام بإقامة الذكريات والاحتفال بالمناسبات، التي تمثّل تحوّلاً من نوع ما في حياة الناس عامّة لا يقتصر على فئة دون فئة، ولا يختصّ بفريق دون فريق، فالكبير والصغير، والغني والفقير، والملك والسوقة، والعالم والجاهل، والمؤمن والكافر، وغيرهم، الكلّ يشارك في إقامة الذكريات للمُثل والقيم، ولمن يمثّلها، حسب قدراته وإمكاناته.
فهذه الشمولية تعطينا: أنّ هذا الأمر لا يعدو عن أن يكون تلبية لحاجة فطرية، تنبع من داخل الإنسان، ومن ذاته، وتتّصل بفطرته وسجيّته، حينما يشعر أنّه بحاجة إلى أن يعيش مع ذكرياته وآماله، وإلى أن يتفاعل مع ما يجسّد له طموحاته.
فيوم ولادة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو يوم فرح المسلمين، ويوم عيد وبهجة لهم، ولا بدّ أن يستجيب الإسلام لنداء الفطرة، ويلبّي رغباتها ما دامت منسجمة مع منطلقاته وأهدافه، ولا يحرمها من عطاء رحمته وبرّه ما دام أنّه دين الفطرة، الذي يوازن بين جميع مقتضياتها، ويعطيها حجمها الطبيعي، دون أن يكون ثمّة إهمال مضرّ، أو طغيان مدمّر.
وهذه هي عظمة تعاليم الإسلام، وهذا هو رمز الخلود له، وفّقنا الله للسير على هدى هذا الدين، والالتزام بشريعة ربّ العالمين، إنّه خير مأمول، وأكرم مسؤول.

(1) السيرة الحلبية 1: 95، السيرة النبوية لزيني دحلان 1: 21.
(2) مسند أحمد 4: 362، وانظر: سنن الدارمي 1: 130، سنن ابن ماجة 1: 74 حديث (203)، سنن الترمذي 4: 149 حديث (2815)، المصنّف لابن أبي شيبة 3: 3، تاريخ مدينة دمشق 43: 544.

سؤال: هل احتفل الصحابة بعيد المولد ؟
هل للمسلمين عيدين فقط كما يوجد في بعض الأحاديث أم لا؟
أرجو جواباً مفصّلاً ومعه أدلّة نقلية وعلمية.
وهل صحيح ما يقول علماء السُنّة: أن لا أحد من صحابة رسول الله احتفل بعيد المولد النبوّي، وأنّ الاحتفال بهذه المناسبة الشريفة بدأ في عهد الدولة الفاطمية؟.
الجواب:
نعم, اتّفق المسلمون على وجود عيدين في الإسلام: عيد الأضحى، وعيد الفطر, وتترتّب عليه بعض الأحكام الفقهية, مثل: حرمة الصيام فيهما.
والشيعة تعتقد بأنّ هناك عيد ثالث, وهو عيد الله الأكبر, وهو: يوم الغدير؛ لروايات كثيرة من الفريقين, منها: ما أخرجه الأئمّة الخمسة: مسلم، ومالك، والبخاري، والترمذي، والنسائي، كما في (تيسير الوصول), ورواه الطحاوي في (مشكل الآثار)، والطبري في تفسيره, وابن كثير في تفسيره عن أحمد والبخاري, ورواه جمع آخر(1), عن طارق بن شهاب الكتابي الذي حضر مجلس عمر بن الخطّاب, فقال: لو نزلت فينا هذه الآية: (( اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم... )) (المائدة:3) لاتّخذنا يوم نزولها عيداً. ولم ينكرها عليه أحد من الحضور.
كما روى الشيخ الصدوق في (أماليه) من طرقنا: عن الإمام الصادق(عليه السلام)، عن أبيه، عن آبائه، قال: (قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يوم غدير خمّ أفضل أعياد أمّتي, وهو اليوم الذي أمرني الله تعالى ذكره فيه بنصب أخي عليّ بن أبي طالب علماً لأمّتي، يهتدون به من بعدي, وهو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين، وأتمّ على أمّتي فيه النعمة، ورضي لهم الإسلام ديناً)(2).
وجاء في الحديث: (كلّ يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد)(3).
وأمّا قضية الاحتفال بذكرى مولد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وغيره من المناسبات الإسلامية, فهي أوّلاً: ليست عيداً على الإطلاق.
فالكلام إذاً في مشروعيّتها، فنقول:
1- الاحتفال لغة هو الاهتمام والإجتماع على الأمر, فإن كان هذا الأمر المهتم به والمجتمع عليه من الأُمور المشروعة والتي فيها ذكر لله سبحانه وتعالى وتعظيم لرسوله الكريم(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأمثال ذلك من الأُمور المشروعة والمرضية في الشريعة, فهو أمر مندوب ومستحبّ, وقد رغب الشارع المقدّس فيه، فقال تعالى: (( ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّم شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقوَى القُلُوبِ )) (الحج:32).
2- بالنسبة للصحابة، فسواء عملوا بهذا الأمر واحتفلوا بهذه المناسبة أو لم يعملوا، فليس فعلهم وتركهم حجّة شرعية يجب العمل بها, ولذلك نجد أنّ عليّاً(عليه السلام) حينما عرضوا عليه الخلافة في قضية الشورى بين الستّة بشرط العمل بكتاب الله وسُنّة النبيّ وسيرة الشيخين, رفض عليّ(عليه السلام) ذلك ولم يقبل العمل إلاّ بكتاب الله وسُنّة نبيّه، ولم يرضَ العمل بسيرة الشيخين(4).
3- إنّ القاعدة الفقهية تقول: ((كلّ شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام))(5), فما لم يوجد نهي في القرآن أو السُنّة النبويّة على أمر فهو مباح يجوز العمل به، ولا يعدّ بدعة كما يدّعيه بعض المذاهب الشاذّة.
وهكذا القاعدة الأُصولية العقلية القائلة: بـ(أصالة البراءة)، وأنّ الإنسان بريء الذمّة لا يعاقب على شيء يعمله حتّى يرد فيه نهي شرعي(6).
كما يمكن أن نؤيّد المسألة ببعض الروايات الدالّة على استحباب تعاهد هذا اليوم (17 ربيع الأوّل) بالصيام والتوسعة على العيال، وأمثال ذلك ممّا فيه إشعار بالاهتمام بمثل هذه المناسبات, وإن اختلفت صور الاهتمام من زمان إلى آخر(7), فاختلاف مصاديق الاهتمام لا يدلّ على اختلاف الحكم الشرعي, كما نرى ذلك في كثير من المواضيع الخارجية، كالوسيلة النقلية، وطرق المواصلات، وما شاكل ذلك, فلا يعدّ هذا خلافاً لم يعمله الأصحاب, فكذا موردنا في إظهار البهجة والسرور وإنشاد الأشعار والمدائح في حقّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في ذكرى ولادته.
هذا مضافاً إلى أنّ مثل هذه المجالس لا تخلو من قراءة القرآن، والوعظ والإرشاد والتقرّب إلى الله تعالى, وهذا كلّه من الأُمور المستحبّة بشكلٍ مؤكّدٍ.

(1) مسند أحمد بن حنبل 1: 28، 39 مسند عمر بن الخطّاب، صحيح البخاري 1: 16 كتاب الإيمان، و 5: 127 كتاب المغازي باب حجة الوداع، و 8: 137 كتاب الاعتصام بالكتاب والسُنّة، صحيح مسلم 8: 238 - 239 كتاب التفسير، سنن الترمذي 4: 316 أبواب تفسير القرآن من سورة المائدة حديث (5034، 5035)، السنن الكبرى للبيهقي 3: 181 كتاب الجمعة، باب الإمام يمرّ بموضع لا تقام فيه الجمعة مسافراً، 5: 118 كتاب الحجّ، باب ما جاء في فضل عرفة، فتح الباري 1: 97 كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه، عمدة القاري 1: 262 - 264، و18: 43، 25: 23، تحفة الأحوذي 8: 323 ابواب تفسير القرآن من سورة المائدة، مسند أبي داود الطيالسي: 353، مسند الحميدي 1: 19 حديث (31)، السنن الكبرى للنسائي 2: 420 كتاب الحجّ، ما ذكر في عرفة حديث (3997)، و6: 533 كتاب الإيمان باب زيادة الإيمان حديث (1174)، صحيح ابن حبّان 1: 413 كتاب الإيمان الباب (4)، المعجم الكبير 12: 143، كنز العمّال 2: 399 حديث (4351)، جامع البيان 6: 110 - 111، تفسير الرازي 5: 191، تفسير القرطبي 6: 61، تفسير ابن كثير 2: 14 - 15، الدرّ المنثور 2: 258 سورة المائدة، مشكل الآثار 3: 196 باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
(2) أمالي الشيخ الصدوق: 188 المجلس(26) حديث (197).
(3) نهج البلاغة 4: 100 حديث (428) باب المختار من حكمة.
(4) انظر: شرح نهج البلاغة 1: 188 قصّة الشورى، المحصول للرازي 6: 86.
(5) المحاسن 2: 495 الباب (7) حديث (596، 602)، الكافي 5: 313 كتاب المعيشة، كتاب الأُمّ للشافعي 2: 53 كتاب الصيد الذبائح.
(6) انظر: الأُصول العامّة للفقه المقارن: 511 - 518.
(7) انظر: مصباح المتهجّد: 791 أعمال شهر ربيع الأوّل، إقبال الأعمال 3: 122فصل (12).

السؤال: الفرق بين الندب والرثاء الحسيني
ما هو الفرق بين الندب والحسينيات...
الجواب:

لم يتضح المراد من سؤالكم، ولعلك تقصد بالندب مطلق التعازي وقول الأشعار في حق الميت، وتقصد بالحسينيات ما يقام أو يقال في خصوص الحسين (عليه السلام) من باب التعزية والرثاء.. والفرق من هذه الناحية واضح ومعلوم فقد حث الشارع المقدس على تعظيم شعائر الله بشكل مطلق ما لم يكن هذا التعظيم بوسائل محرّمة ومنهي عنها، وقد جعل هذا التعظيم من علائم التقوى القلبية كما هو المستفاد من قوله تعالى: ((وَمَن يُعَظِّم شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقوَى القُلُوبِ )) (سورة الحج: آية 23).
وأيضاً ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحث في البكاء والندب على رجالات الدين والشهداء مثل قوله في حق حمزة سيد الشهداء (عليه السلام) عندما سمع (صلى الله عليه وآله وسلم) نساء الأنصار يبكين على من قتل من أزواجهن: (ولكن حمزة لا بواكي له، قال أحمد: ثم نام (صلى الله عليه وآله وسلم) فاستنبه وهن يبكين، قال: فهنَّ اليوم إذا يبكين يندبن بحمزة) (مسند أحمد بن حنبل 2: 40).

سؤال: فلسفة الراية في الاسلام
سؤالي هو حول فلسفة الراية في الاسلام ولماذا كان يرفعها المسلمون في حربهم ضد الكفار هل انها ترعب الاعداء ام غير ذلك .

الجواب:

الراية تطلق على العلم وكذلك على اللواء الذي يمسكه صاحب الجيش وتجعل شعارا للحرب وعادة تحتوي على كلمات مختصرة لها رمزية خاصة وجرت عادة الجيوش والعساكر على اتخاذها في المعارك ومثلا كانت راية رسول الله(صلى الله عليه واله وسلم ) في معركة بدر مكتوب عليها يا منصور امت .
والراية لها اهمية كبيرة في الحرب فهي تعبر عن حالة التفاؤل والانتصار حتى انها تسمى ام الحرب وانكاسها وسقوطها يعني الهزيمة والخسران وقد تكون لها فوائد كثيرة من ضمنها انها تجعل دلالة لحركة ومسار الجيش وقد يكون لهزها بعض الدلالات الرمزية حسب ما يتفق عليه العسكر وقد تعطي الرعب والرهبة في قلوب الاعداء الى غير ذلك من الدلالات .

السؤال: لا رياء في الشعائر الحسينية
ما هو رأي سماحتكم بالرياء في الشعارات الحسينيه والدينية ؟
الجواب:

ليس كل تظاهر رياء مبطل للعمل بل الرياء أمر قلبي بأن يأتي الانسان بالعمل بقصد إرائة الناس لا لله تعالي لكن في الشعائر الحسينية بما أنها شعائر يمكن أن يتظاهر الانسان بهذه الشعائر لكن مع ذلك يقصد التقرب ألي الله تعالي ويكون التظاهر نوعاً من تعظيم الشعائر فبدلاً من أن يلطم في البيت علي الحسين (عليه السلام) لوحده وبمفرده يأتي إلي المسجد أو الحسينية ويلطم أمام الناس وهذا لا ينافي قصد القربة بل قد يزيد فيه لكونه تعظيماً للشعائر أيضاً وقد ورد في الصدقه الواجبة (الزكاة) استحباب إعطائها علينا وأمام الناس لكي يرغب الناس فيها بخلاف الصدقه المستحبة فإنه يستحب إخفاؤها.


اتعليق على الجواب (1)
هل يوجد حديث في هذا الامر على انه كما يقال هناك حديث للامام الصادق عليه السلام ام لا يوجد؟
الجواب:

لم نعثر على حديث يدل على ذلك بل على العكس من ذلك هناك من الروايات ما يشير الى ان كل خير يمكن ان يشمله الرياء حتى زيارة الحسين (عليه السلام) ونحن اذ نقول لا رياء في الشعائر الحسينية فالمقصود ان الشعائر الحسينية لما كانت مبنية على الاعلام والاظهار فمجرد الاظهار لا يعني ان العمل صار رياءا بل يتوقف حصول الرياء على نية العامل بالشعائر الحسينية فان كان مقصوده القربة الى الله كان عمله خالصا وان كان مقصوده الناس صار العمل رياءا.

سؤال: الرايات في شهر محرم
ما حقيقة وضع الأعلام والرايات في شهر محرم الحرام؟
الجواب:

الأعلام والرايات عادة تجعل شعاراً للحرب، وتحتوي على كلمات مختصرة لها رمزية خاصة، وجرت عادة الجيوش على اتخاذها في المعركة، ومنها معركة الطف حيث كانت الراية بيد أبي الفضل العباس(سلام الله عليه)، وقد جرت العادة على رفعها في شهر محرم في البيوتات والأماكن الأخرى كشعار للحزن والألم، ولا شكّ أنها تذكّر الناس براية الطف وكربلاء.
ونستطيع القول أن الرايات والأعلام أصبحت اليوم شعيرة من الشعائر التي من خلالها يقوم الناس بإحياء أمر الإمام الحسين(عليه السلام)، فهي إذاً واحدة من مصاديق الشعائر الحسينية.

السؤال: من الذي يحدد مصداق الشعائر؟
كيف أحدد أن هذا الفعل من الشعائر الحسينية او لا؟
الجواب:

في كتاب الشعائر الحسينية للشيخ محمد السند ص 61 قال:
في كيفيّة تحقّق الموضوع ومعالجة بعض قواعد التشريع
بعد معرفة أنّ الأصل الأوّليّ ومقتضى القاعدة الأوّليّة هو أنّ الشارع إذا أورد عنواناً معيّناً في دليل من الأدلّة فإنّه يجب أن يبقى على معناه اللغويّ.. أي أنّ كلّ دليل ورد من الشارع يبقى على معناه اللغويّ ما لم ينقله الشارع إلى الحقيقة الشرعيّة ; هذا من جهة.. ومن جهة أخرى هناك أمر آخر يضيفه الأصوليّون وهو تحقّق هذا العنوان وحصوله في الخارج.. فنحن تارة نتكلّم في مرحلة التأطير والتنظير.. وفي أفق الذهن أو في أفق اللوح باعتباره القانون فحينئذ يبقى المعنى على حاله.. وتارة نتكلّم عن مرحلة أخرى هي غير التنظير القانونيّ بل هي مرحلة التطبيق في الخارج والوجود في الخارج.. في هذه المرحلة أيضاً، فما لم يعبّدنا الشارع ويتصرّف في الوجود الخارجيّ لأيّ عنوان ; فالأصل الأوّليّ هو أن يكون وجوده ومجاله أيضاً عُرفيّاً.. سواء كان له وجودٌ تكوينيٌ، أو كان له وجود اعتباريٌ لدى العُرف.. إلاّ أن يجعل الشارع له وجوداً خاصّاً بأن ينصب دليلا على ذلك..
أمثلة على تحديد الوجود الخارجيّ للموضوع من الشارع المقدّس
مثال 1: في تحقّق الطلاق، لو قال الزوج: طلّقتُ امرأتي، أو أطلّقُكِ، أو سأُطلّقك.. فكلّ هذه الصيغ لا يُمضيها الشارع ولا يقرّها، وهي غير مُحقّقة، ولا موجِدة للطلاق، وإن كانت في العرف موجِدةً له.. لكن عند الشارع لا أثر لها.. إلاّ أن يقول: أنتِ طالق، بلفظ اسم الفاعل المراد منه اسم المفعول.. هنا الشارع وإن لم يتصرّف في ماهيّة الطلاق ولم يتصرّف في عنوانه، بل أبقاه على معناه اللغويّ، لكنّه تصرّف في كيفيّة وجوده وحصوله في الخارج..
مثال 2: الحلف لا يكون حلفاً شرعيّاً بالله، والنذر لا يكون نذراً لله إلاّ أن تأتي به بالصيغة الخاصة، فهذا تصرّف في كيفيّة الوجود.. فإن دلّ الدليل على كيفيّة تصرّف خاصّة من الشارع وفي كيفيّة الوجود، فلا يتحقّق ذلك الأمر إلاّ بها..
أمّا إذا لم يَقُم الدليل من الشارع على ذلك، فمقتضى القاعدة الأوّليّة أنّ وجوده يكون وجوداً عرفيّاً - تكوينيّاً كان أو اعتباريّاً - ما لم يرد دليل من الشارع لتحديد وجوده وحصوله في الخارج.. نرجع إلى محلّ البحث ; لو لم يكن دليل إلاّ عموم آية (( لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ )) .. وعموم آية: (( ذلِك وَمَن يُعَظِّم شَعَائِرَ اللهِ فَإنَّهَا مِن تَقوَى القُلُوبِ )) .. وقلنا أنّ المعنى يبقى على حاله، حيث إنّ الشارع لم يتصرّف في معناه اللغويّ الّذي هو ما يقال عنه مرحلة تقنين القانون.. ولم يتصرّف أيضاً في مرحلة التطبيق الخارجيّ من جهة خارجيّة.. فما يتّفق عليه العُرف بحيث يُصبح تبياناً وإضاءةً لمعنى من المعاني الدينيّة، يُصبح شعيرةً وشَعاراً..
ويجدر التنبيه هنا على أنّ وجودات الأشياء على قسمَين: الوجود التكوينيّ والوجود الإعتباريّ للأشياء
القسم الأوّل: هو الوجود التكوينيّ ; مثل: وجود الماء، الحجر، الشجر، الإنسان، الحيوان...
القسم الثاني: وجود غير تكوينيّ، بل هو إعتباريّ - أي فرضيّ، ولو من العرف - مثل: البيع، فالبائع والمشتري يتّفقان على البيع بخصوصيّاته.. فيتقيّدان بألفاظ الإيجاب والقبول فيها.. فحينئذ: هذا البيع أو الإجارة أو الوصيّة أو المعاملة ليس لها وجود حسّيّ خارجيّ.. وإنّما وجودها بكيفيّات إعتباريّة فرضيّة في عالم فرضيّ يمثّل القانون.. سواء قانون الوضع البشريّ، أو حتّى قانون الوضع الشرعيّ عند الفقهاء، إذ يحملون هذا على الاعتبار الفرضيّ.. فهو عالَم اعتبار لما يتّخذه العقلاء من فرضيّات.. العقلاء يفترضون عالماً فرضيّاً معيّناً.. لوحة خاصّة بالعقلاء، لوحة القانون العقلائيّ.. فوجودات الأشياء على أنحاء.. تارةً نسق الوجود التكوينيّ، وتارة نسق الوجود الإعتباريّ، وإن كان اعتبارات الشارع وتقنينات الشارع وفرضيّات الشارع وقوانينه يُطلق عليها أيضاً اعتبار شرعيّ.. ولكن من الشارع..
خلاصة القول أنّ كلّ عنوان أُخذ في دليل - كالبيع، أو الهبة، أو الوصيّة، أو الشعائر، أو الطلاق، أو الزوجيّة - إذا أُبقي على معناه اللغويّ ; وأيضاً أُبقي على ما هو عليه من الوجود عند العرف فبها.. غاية الأمر أنّ الوجود عند العرف ليس وجوداً تكوينيّاً.. بل وجودٌ طارىءٌ اعتباريّ في لوحة تقنيناتهم وفي لوحة اعتبارهم. مثلا: حينما يقول الشارع في الآية الكريمة: (( أَحَلَّ اللهُ البَيعَ )) ليس معناه: أنّ البيع الّذي هو بيعٌ عند الشارع قد أحلّه الله، لأن ذلك يكون تحصيل الحاصل، لأنّ البيع الّذي عند الشارع هو حلالٌ من أساسه.. بل المقصود مِن: (( أَحَلَّ اللهُ البَيعَ )) وكذلك: (( أَوفُوا بِالعُقُودِ )) المراد أنّ البيع والعقود الّتي تكون متداولة في أفق اعتباركم أنتم أيها العقلاء قد أوجبتُ - أنا الشارع - الوفاء بها.. وقد أحللتها لكم.
فإذن قد أبقاها الشارع على ما هي عليه من وجود ومعنىً لغويّ عند العقلاء والعُرف.. وقد يتصرّف الشارع في بعض الموارد - كما بينّا في الطلاق - حيث يقيّدها بوجود خاصّ.. فحينئذ، يتبيّن أنّ الأشياء قد يبقيها الشارع على معناها اللغويّ، ويبقي وجودها في المقام الآخر على ما هي عليه من وجود إمّا تكوينيّ أو اعتباريّ.. ومن جهة أخرى، فإنّ العلامة أو ( الدالّ ) إمّا عقليّة أو طبعيّة، أو وضعية.. فهل الشعائر أو الشعيرة هي علامة تكوينيّة أم عقلية أم طبعيّة أم هي وضعيّة؟ الشعيرة علامة وضعيّة نرى أنّ الشعيرة والشعار هي علامة وضعيّة وليست عقليّة ولا طبعيّة.. وهنا مفترق خطير في تحليل الماهيّة.. للتصدّي للكثير من الإشكالات أو النظريّات الّتي تُقال في قاعدة الشعائر.. نقول أنّ الشعيرة هي علامة وضعيّة.. بمعنى أنّ لها نوعاً من الاقتران والربط والعُلقة الاعتباريّة.. فالوضع هو إعتباريّ وفرضيّ بين الشيئَين.. والأمر كذلك في الأمور الدينيّة أيضاً.. مثلا كان شعار المسلمين في بدر: « يا منصور أمِت » حيث يستحب في باب الجهاد أن يضع قائد جيش المسلمين علامة وشعاراً معيّناً للجيش.. الشعائر أو الشعارة هي ربط اعتباريّ ووضع جعليّ فطبيعتها عند العرف هو الاعتبار ; حتّى شعار الدولة وشعار المؤسسات وشعار الأندية، والوزارات.. والشركات التجارية، والفرق الرياضية.. لكنّ كلّ ذلك أمر اعتباري.. فهو علامة حسّيّة دالّة على معنى معين.. لكنّ الوضع والعلقة فيه إعتباريّة.. فلا بدّ من الالتفات إلى تحليل أعمق لماهيّة الشعائر والشعيرة.. فماهيّة الشعار والشعيرة علامة حسّيّة لمعنى من المعاني الدينيّة.. ولكنّ هذه العلامة ليست تكوينيّة، ولا عقليّة، ولا طبعيّة.. وإنّما هي علامة وضعيّة.. فالشعائر هي التي تفيد الإعلام، وكلّ ما يُعلِم على معنى من المعاني الدينيّة، أو يدلّ على شئ له نسبة إلى الله عزّ وجل، فإنّ هذا الإعلام والربط بين المَعلَم والمُعلَم به.. وهذا الربط هو في الماهيّة وضعيّ إعتباريّ.. فالموضوع يتحقّق بالعُلقة والوضع الإعتباريّ.
وإذا كان تحقّق ماهيّة الشعائر والشعيرة بالعُلقة الوضعيّة الإعتباريّة، وافتراضنا أنّ الشارع لم يتصرّف في كيفيّة الوجود.. بمعنى أنّ المتشرّعة إذا اختاروا واتّخذوا سلوكاً ما علامة لمعنى دينيّ معيّن.. فبالتالي يكون ذلك السلوك من مصاديق الشعائر.. وكما قلنا أنّ ماهية الشعائر تتجسّد في كلّ ما يوجب الإعلام والدلالة فيها وضعيّة.. والواضع ليس هو الشارع، لأنه لم يتصرّف بالموضوع.. فبذلك يكون الوضع قد أُجيز للعرف والعقلاء.. كما ذكرنا في البيع أنّ له ماهيّة معيّنة، وكيفيّة خاصّة حسب ما يقرّره العقلاء.. وكيفيّة وجوده إعتباريّة.. وذكرنا أنّ الشارع إن لم يتصرّف في الماهيّة والمعنى في الدليل الشرعيّ، ولم يتصرّف في كيفيّة الوجود.. فالماهيّة تبقى على حالها عند العقلاء ; بخلاف الطلاق الذي تصرّف الشارع في كيفيّة وجوده في الخارج.. الشعائر ومناسك الحجّ وممّا تقدّم: تبيّن خطأ عدّ مناسك الحجّ - بما هي مناسك - شعائر.. حيث إنّ الشعائر صفة عارضة لها.. وليست الشعائر هي عين مناسك الحجّ كما فسّرها بعض اللغويّين.. بيان ذلك: حينما نقول مثلا: « الإنسانُ أبيض »، هل يعني أن الماهيّة النوعيّة للإنسان هي البياض.. كلاّ.. أو حين نقول: « الإنسان قائم » ; فهل يعني أنّ الماهيّة النوعيّة للإنسان هي القيام.. كلاّ، إذ القيام والبياض أو السمرة، أو السواد ليست ماهيةً للإنسان، وإنّما هذه عوارض قد تَعرض على الماهيّة وقد تزول عنها.. إنّ كُنه الإنسان وماهيّته بشيء آخر، لا بهذه العوارض.. وكذلك مناسك الحجّ، إذ ليست ماهيّة المنسك هي الشعار.. بل الشعار هو ما يكمُن وينطوي فيه جنبة الإعلام والعلانية لشئ من الأشياء..
مثال آخر: لفظة « زيد » كُنهها ليس أنّها سِمة لهذا الإنسان.. كنهها هو صوت متموّج يتركّب من حروف معيّنة.. نعم من عوارضها الطارئة عليها أنّها سِمة واسم وعلامة لهذا الإنسان.. وهذا من عوارضها الإعتباريّة لا الحقيقيّة، حيث إنّها علامة على ذلك الجسم..
إذن جنبة العَلاميّة لون عارض على أعمال الحجّ، أو على العبادات، أو على الموارد الأخرى.. لا أنّها عين كُنه أعمال الحجّ.. وليس كون الشعائر هي نفس العباديّة، ولا كون العباديّة هي الشعائر..
أما كيف يسمح الشارع في أن يتصرف العُرف بوضع الشعائر أو غير ذلك.. فهذا ما سنقف عليه لاحقاً إن شاء الله تعالى.. الترخيص في جعل الشعائر بيد العرف إنّ الشارع حينما لا يتصرّف في معنى معين ولا في وجوده في الخارج، فهل يعني هذا تسويغاً من الشارع في أن يتّخذ العُرف والعقلاء ما شاؤوا من علامة لمعاني الدين وبشكل مطلق؟ أم هناك حدود وقيود.. وما الدليل على ذلك؟ هل اتّخاذ المسلمين لهذه المعالم الحسّيّة مَعلَماً وشعاراً، سواء كانت معالم جغرافية، كموقع بدر وغدير خُمّ.. أو معلماً زمنيّاً، كمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهجرته صلى الله عليه وآله وسلم وتواريخ الوقائع المهمة.. أو مَعلَماً آخر غير زمانيّ ولا مكانيّ، كأن يكون ممارسةً فعليّة.. هل هذا فيه ترخيص من الشارع أم لا؟
للإجابة على هذا السؤال المهمّ لا بدّ من تحرير النقاط التالية:
النقطة الأولى: وهذه هي جهة الموضوع في قاعدة الشعائر الدينيّة، وهي أنّ العناوين الّتي ترد في لسان الشارع إذا لم يرد دليلٌ آخر يدلّ على نقلها من الوضع اللغويّ إلى الوضع الجديد والمعنى الجديد، فهي تبقى على حالها، وعلى معانيها الأوّليّة اللغويّة..
النقطة الثانية: أنّ تحقّق تلك الموضوعات وكيفيّة وجودها في الخارج.. إن كان الشارع صرّح وتصرّف بها فنأخذ بذلك، وإلاّ فإنّها ينبغي أن تبقى على كيفيّة وجودها العرفيّ أو التكوينيّ..
النقطة الثالثة: أنّ وجودات الأشياء على نسقَين:
أ- بعض الوجودات وجودات تكوينيّة..
ب- وبعض الوجودات وجودات إعتباريّة.. وقد أشرنا سابقاً لذلك، ولكن لزيادة التوضيح نقول: إنّ عناوين أغلب المعاملات وجودها إعتباريّ.. كالبيع والإجارة، والهبة والوصيّة والطَلاق والنِكاح وما شابه ذلك.. كلّ هذه العناوين كانت وجودات لدى العرف والعقلاء.. (( أَحَلَّ اللهُ البَيعَ... )) ; (( أَوفُوا بِالعُقُودِ... )) وغيرها من العناوين..
فآية: (( أَحَلَّ اللهُ البَيعَ... )) لسانٌ شرعيّ وقضيّة شرعيّة تتضمّن حكماً شرعيّاً وهو الحِلّيّة، بمعنى حلّيّة البيع وصحّته وجوازه.. ولم يتصرّف الشارع بماهيّة البيع. ولا بكيفيّة وجوده، إلاّ ما استُثني.. فكيفيّة وجوده عند العُرف والعقلاء تكون معتبرة.. فما يصدق عليه وما يسمّى وما يُطلق عليه « بيع » في عُرف العقلاء جُعِل موضوعاً لقضيّة شرعيّة، وهي حلّية ذلك البيع.. وإلاّ فإنّ هذا الدليل (( أَحَلَّ اللهُ البَيعَ... )) ليس المقصود منه البيع الشرعيّ، إذ البيع الشرعيّ أحلّه الله.. ولو كان البيع المراد في هذا اللسان هو البيع الشرعيّ، لما كان هناك معنىً لحلّيّته.. لأنّه سوف يكون تحصيلا للحاصل. البيع الشرعيّ إذا كان شرعيّاً فهو حلالٌ بذاته.. فكيف يرتّب عليه الشارع حكماً زائداً وهو الحلّيّة.. فلسان الأدلّة الشرعيّة والّتي وردت فيها عناوين معينة إذا لم يتصرّف الشارع بها ولم يتعبّد بدلالة زائدة، تبقى على ما هي عليه من المعاني الأوّليّة، وتبقى على ما هي عليه عند عُرف العقلاء.. حينئذ يأتي البيان المزبور في لفظة « الشعائر » الواردة في عموم الآيات: (( يا أيّها الذين آمَنوا لا تُحِلّوا شعائرَ الله )) أو: (( ذلك ومَن يُعظِّم شعائرَ الله.. )) وقد مرّ بنا أنّ ماهيّة الشعيرة، أو الشعائر التي هي بمعنى العلامة إذا أضيفت إلى الله عزّ وجل.. أو أضيفت إلى الدين الإسلاميّ، أو أضيفت إلى باب من أبواب الشريعة، فإنّها تعني علامة ذلك الباب، أو علامة أمر الله.. أو علامة أحكام الله وما شابه ذلك. والعَلامة - كما ذكرنا - ليست عين المنسك، وليست عين العبادة، وليست عين الأحكام الأخرى في الأبواب المختلفة.. وإنّما العلامة أو الإعلام شيء طاريء زائد على هذه الأمور، كاللّون الّذي يكون عارضاً وطارئاً على الأشياء ; فيكون طارئاً على العبادة أو المنسك أو الحكم المعين.. فجنبة الإعلام والنشر في ذلك الحكم أو في تلك العبادة أو ذلك المنسك تتمثّل بالشعيرة والشعائر. وبهذا النحو أيضاً تُستعمل في شعائر الدولة أو شعائر المؤسسة والوزارة - مثلا - فهي ليست جزءاً من أجزاء الوزارة أو المؤسّسة مثلا وإنما هي علامةٌ عليها.
فالنتيجة أنّ الشعيرة والشعائر والشِعار تبقى على حالها دون تغيير في كلا الصعيدَين: صعيد المعنى اللغويّ، وصعيد كيفيّة الوجود في الخارج. فإطلاق الشعائر على مناسك الحجّ ليس من جهة وجودها التكوينيّ أو الطبعيّ.. بل من جهة الجعل والاتّخاذ من الله عزّ وجلّ: (( وَالبُدنَ جَعَلنَاهَا لَكُم مِن شَعَائِرِ اللهِ لَكُم فِيهَا خَيرٌ )) يعني باتّخاذ وضعيّ واعتباريّ أصبحت علامة ونبراساً للدين.. هذه الشعائر في مناسك الحجّ، جُعلت - بالوضع والاعتبار - علامةً للدين، ولعلوّ الدين، ولرقيّه وانتشاره وعزّته ونشر أحكامه. بعد هذا البسط يتّضح من ماهية الشعيرة ومن وجود الشعيرة، أنّ وجودها ليس تكوينيّاً.. والمقصود ليس نفي تكوينيّة وجود ذات الشعيرة.. بل إنّ تَعَنوُن الشيء بأنّه شعيرة وجعله علامة على شيء آخر تَعنونه هذا ; وجَعله كذلك ليس تكوينيّاً بل إعتباريّاً.. وإلاّ فالبُدن هي من الإبل، ووجودها تكوينيّ.. ولكن كونها شعيرة وعلامة على حُكم من أحكام الدين أو على عزّة الإسلام شيء إعتباريّ، نظير بقية الدلالات الّتي تدلّ على مدلولات أخرى بالاعتبار والجعل.. فالشعائر وإن كانت وجودات في أنفسها تكوينيّة، ولكن عُلقتها ودلالتها على المعاني إتّخاذية وإعتباريّة، بواسطة عُلقة وضعيّة ربطيّة إعتباريّة ; هذا من جهة وجودها.
ومن جهة أخرى، فقد دلّلنا على أنّ الشعائر والشعيرة تكون بحسب ما تُضاف إليه.. كما قد يتّخذ المسلمون الشعائر في الحرب مثلا، كما ورد دليل خاصّ في باب الجهاد على استحباب اتّخاذ المسلمين شعاراً لهم. مثل ما اتّخذه المسلمون في غزوة بدر، وهو شعار : « يا منصور أمِت ».. فالمقصود، إذا لم يرد لدينا دليل خاصّ على التصرّف في معنى الشعائر أو الشعيرة - الّتي هي بمعنى العلامة كما ذكرنا - فإنّه يبقى على معناه اللغوي الأوّلي.. الوجود الإعتباريّ للشعيرة وكذلك في الوجود الخارجيّ.. إذ المفروض أنّ المتشرّعة إذا اتّخذوا شيئاً ما كشعيرة، يعني علامة على معنى دينيّ سامي.. معنىً من المعاني الدينيّة السامية، أو حكماً من الأحكام العالية، وجعلوا له علامة.. شعيرة وشعار وشعائر.. فالمفروض جعل ذلك بما هي شعيرة لا بما هي هي. أي بوجودها النفسيّ، لكن بما هي شعيرة، ( كاللفظ بما هو دال على المعنى.. لا يكون دالا على المعنى إلاّ بالوضع.. ) فالشعيرة بما هي شعيرة، أي بما هي علامة دالّة على معنى سامي من المعاني الدينيّة.. وتشير بما هي علامة على حكم من الأحكام الدينيّة الركنيّة مثلا، أو الأصليّة.. وهي دلالة إعتباريّة، اتّخاذيّة، وضعيّة.. وهذا يعني أنّها مجعولة في ذهن الجاعل، وبالتبادل وبالإتّفاق تصبح شيئاً فشيئاً شعيرة وشعار.. مثل ما يجري في العُرف بأن يضعوا للمنطقة الفلانية اسماً معيّناً مثلا.. وبكثرة الاستعمال ; شيئاً فشيئاً ينتشر بينهم ذلك الاسم فيتواضعون عليه، ويتعارف بينهم أنّ هذه المنطقة تُعرف باسم كذا، ويحصل الاستئناس في استعمال اللفظ في ذلك المعنى.. فينتشر ويتداول.. فحينئذ يكون اللفظ المخصوص له دلالة على المعنى المعيّن دلالةً وضعيةً.. خلاصة القول إلى هنا عرفنا أنّ في آية: (( لا تُحِلّوا شعائر الله )) وآية: (( وَمَن يُعَظِّم شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقوَى القُلُوبِ )) هناك ثلاثة محاور: محور الحكم، ومحور المتعلّق، ومحور الموضوع..
فنقول: لو كنّا نحن ومقتضى القاعدة، لو كنّا نحن وهاتَين الآيتَين الشريفتَين فقط وفقط.. فحينئذ، نقول: إنّ المعنى لشعائر الله، كالزوال، وكدلوك الشمس بقي على ما هو عليه في المعنى.. ووجوده أيضاً على ما هو عليه من وجود، وقد بيّنّا في كيفيّة وجوده أنّها ليست تكوينيّة، بل هي وضعيّة وإعتباريّة واتّخاذية.. كما في آية (( أَحَلَّ اللهُ البَيعَ... )) نُبقيه على ما هو عليه من معنى، ونبقيه على ما هو عليه من وجود.. ووجوده هو وجود إعتباريّ لدى العقلاء..
وكذلك الأمر في شعائر الله، حيث هناك موارد قد تصرَّف فيها الشارع بنفسه وجعلَ شيئاً ما علامة، وغاية هذا التصرّف هو جعل أحد مصاديق الشعائر.. كالمناسك في الحجّ.. وهناك موارد لم يتصرّف الشارع بها ولم يتّخذ بخصوصها علامات معيّنة.. وإنّما اتّخذ المتشرّعة والمكلّفون شيئاً فشيئاً فِعلا من الأفعال - مثلا - علامة وشعاراً على معنى من المعاني الإسلاميّة.. فتلك الموارد يشملها عموم الآية: (( ذلِكَ وَمَن يُعَظِّم شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقوَى القُلُوبِ )) وكذلك يشملها عموم: (( لا تُحِلّوا شعائر الله )) .. فلو كنّا نحن وهاتين الآيتين فقط يتقرّر: أنّ معنى الشعائر ووجودها هو اتّخاذي بحسب اتّخاذ العرف.. لكن قبل أن يتّخذها العرف شعيرة ومشاعر، وقبل أن يتواضع عليها العُرف، والمتشرّعة والعقلاء والمكلّفون لا تكون شعيرة.. وإنّما تتحقّق شعيريّتها بعد أن تتفشّى وتنتشر ويُتداول استعمالها، فتُصبح رسماً شعيرة وشعائر، ويشملها عموم (( لا تُحِلّوا شعائر الله... )) و (( ذلِك وَمَن يُعَظِّم شَعَائِرَ اللهِ... )) ..
فالمفروض أنّ المعنى اللغويّ لشعائر الله هو معنىً عامّ طُبّق في آية سورة المائدة أو في آية سورة الحجّ على مناسك الحجّ.. ولكن لم تُحصَر الشعائر بمناسك الحجّ.. بل الآية الكريمة دالّة على عدمه: (( وَالبُدنَ جَعَلنَاهَا لَكُم مِن شَعَائِرِ اللهِ لَكُم فِيهَا خَيرٌ )) و( مِن ) دالة على التبعيض والتعميم.. فإذن، اللفظ حسب معناه اللغويّ عامّ، ونفس السياق الّذي هو سياق تطبيقي ليس من أدوات الحصر كما ذكر علماء البلاغة، فإنّهم لم يجعلوا تطبيق العام على المصداق من أدوات الحصر.. بل عُلّل تعظيم مناسك الحج لكونها من الشعائر، فيكون من باب تطبيق العامّ على أفراده.. وذكرنا أنّ أغلب علماء الإماميّة من مفسّريهم وفقائهم ومحدّثيهم ذهبوا في فتاواهم وتفاسيرهم إلى عموم الآية لا إلى خصوصها، ومنهم الشيخ الطوسيّ في التبيان، حيث ذكر أقوالا كثيرة نقلا عن علماء العامّة، ثمّ بعد ذلك ذهب إلى أقوائيّة عموم الآية، وأنّه لا دليل على تخصيصها.. كما أنّ هناك دليلا على ذلك من الآية الشريفة (( ذلك وَمَن يُعَظِّم حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيرٌ لَهُ عِندَ رَبِّهِ )) ، حيث إنّ من الواضح أنّ حرمات الله أعمّ من حرمات الحجّ، هنا الموضوع للحكم هو مُطلق حرمات الله وكذلك الأمر بالنسبة لشعائر الله في الآية الأخرى.. فإذن لو كنّا نحن ومقتضى هاتين الآيتين، فهاتان الآيتان بحسب معناهما اللغويّ وبحسب وجودهما بين العقلاء وعُرف المكلّفين وجودهما إعتباريّ إتّخاذي، ولو من قِبَل المتشرّعة.. هذا الكلام بحسب اللسان الأوّليّ في أدلّة الشعائر وقاعدة الشعائر، أمّا بحسب اللسان الإلتزاميّ، فالأمر أوضح بكثير كما سنتعرّض إليه..

السؤال: أيهما أفضل التصفيق أم الصلوات
خرج عندنا شخص في المنطقة معمم يقول (التصفيق لا يقل ثوابا - إذا كان فرحا لمحمد وال محمد وإدخال السرور على قلب الزهراء - عن الصلاة على محمد وال محمد)
ما رأيكم بهذا الكلام ؟
وما هو الموقف من هذا الشخص ؟
الجواب:

لم يرد في التصفيق ان له ثوابا خاصا بخلاف الصلاة على محمد وال محمد فان الروايات ذكرت ان لهذا الذكر فضلا وثوابا عظيما.
وان قيل ان التصفيق يمكن ان يدخل تحت عناوين اخرى كاظهار الفرح والسرور بمولد الائمة الاطهار وبذلك يعد راجحا وينال الثواب عليه لنيل الثواب على تعظيم الشعائر .
قلنا اختلف الفقهاء في كون التصفيق جائزا ومناسبا في الاحتفالات الدينية فعد البعض من اللهو الذي لا يناسب المجالس المنتسبة الى الائمة الاطهار (عليهم السلام) نعم افتى بعض الفقهاء بجواز التصفيق في الاحتفالات الدينية لكن لا يظهر من عبارته افضليته على الصلوات.

السؤال: التطبير من المسائل الخلافية
إنّ اللطم الشديد والتطبير وأمور تعذيب النفس، هي مجرّد وسائل رياء، ففي عصرنا هذا 99? من المطبرين وغيرهم هم من ينتهون من العزاء ويصورون أجسادهم، وإن سألتهم عن سبب التطبير واللطم لن يقول لك كنت حزيناً، بل سيقول أريد الثواب وأحب الحسين، فهنا لم تتحقق الغاية التي ذكرتموها وهي تعبير عن الحزن.
أيضاً هذه المظاهر هي من المظاهر الشنيعة التي يراها أهل السنّة فيسخرون من الشيعة، وتسيء إلينا نحن الشيعة، فأصبح الشيعي يرى صور المطبرين ويخجل لأنّه يعلم أنّها ضدّ القرآن والسنّة النبوية، وكل ما يخالف القرآن والسنّة وكلام أهل البيت يعتبر بدعة، ولو كان الإمام الصادق حياً لنفى التطبير والضرب بالزناجيل، وغيرها.
الجواب:

كلامك غير دقيق من أنّ التطبير يخالف القرآن والسنّة.
فالذين يقولون بحلّية التطبير، يقولون:
إمّا أن نقبل تلك النصوص التي يمكن أن تكون فيها إشارة الى حلّية التطبير، كضرب زينب(عليها السلام) لرأسها بعمود المحمل، وعدم اعتراض المعصوم على ذلك.. وغيرها من الأدلّة التي يسوقونها.
أو يقال: إنّ القرآن والسنّة لم يرد فيها نص لا بأمر ولا بنهي عن التطبير، فيكون أمراً حادثاً، والأصل في الأمر الحادث الذي لم تثبت حرمته أن يكون مباحاً.
نعم، يعترض عليهم البعض ممن يقول بحرمة التطبير: انّه يسبب الضرر، والضرر محرّم في الشريعة.
فيردّ عليهم أولئك ويقولون: أنّه ليس مطلق الضرر محرّم، بل الضرر البليغ الذي يوجب الموت مثلاً، أو عطب عضو، أو قطعة، وما شابه ذلك.
وقد يحرّم آخرون التطبير بالعنوان الثانوي، ويقولون: بأنّه يوجب تنفير الناس عن مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
فيردّ عليهم آخرون: بأنّه ليس فيه مثل ذلك، بل على العكس، هذا المظهر الفريد ينشر المذهب ويعكس صورة فريدة للولاء والمحبّة للإمام الحسين(عليه السلام).
وأمّا قولك بأنّ التطبير من وسائل الرياء، فقد لا يكون دقيقاً. فالرياء إنّما يكون في الأمور المحبّذة عند الناس، والمطبرون يعلمون أنّهم منتقدون من قبل بعض أتباع المذهب فضلاً عن غيرهم، ومع ذلك يفعلون ذلك رجاءً للثواب، كما قلت.
ولا يشترط أن يكون فعل ذلك ليكون مظهراً من مظاهر الجزع والحزن، فإنّه كما يمكن أن يكون الفعل مستحباً، وبالتالي يستحق الثواب عليه لدخوله تحت عنوان الجزع والحزن، كذلك يمكن القول باستحبابه لدخوله تحت عنوان الشعائر، ويحصل من وراء هذا الفعل على الثواب.
وعلى كل حال الأمر يرجع الى المكلّف وتقليده، فإذا أجاز له المرجع الذي يقلده ذلك جاز له فعل ذلك، وإن لم يجز له مرجعه ذلك فلا يجوز، حاله حال بقية الأفعال التي يختلف فيها مراجع التقليد في الفتوى.

يتبع


رد مع اقتباس
قديم 10-09-2017, 05:25 PM   رقم المشاركة : 7
الكاتب

الشيخ عباس محمد


الملف الشخصي









الشيخ عباس محمد غير متواجد حالياً


افتراضي

السؤال: اول من لبس السواد
من اول من لبس السواد على الإمام الحسين (علية السلام) في التاريخ.
الجواب:

يظهر من تتبع الروايات ان اول من لبس السواد من الناس على الامام الحسين (عليه السلام) نساء بني هاشم .
جاء في بحار الانوار ج45 نقلا عن كتاب المحاسن : (المحاسن : الحسن بن ظريف، عن أبيه، عن الحسين بن زيد، عن عمر بن علي بن الحسين قال : لما قتل الحسين بن علي صلوات الله عليه لبس نساء بني هاشم السواد والمسوح، وكن لا يشتكين من حر ولا برد، وكان علي بن الحسين يعمل لهن الطعام للمأتم ) .



السؤال: التطيين
ما معنى وضع الطين على الرأس؟
الجواب:

وردت بعض الروايات عن الائمة (عليهم السلام) يأمر بها الامام زيارة الحسين (عليه السلام) في حال الحزن والكرب والشعث والاغبرار والجوع والعطش فعن ابي عبدالله (عليه السلام) قال : ( اذا اردت زيارة الحسين (عليه السلام) فزره وانت حزين مكروب شعثا مغبر جائع عطشان وسله الحوائج وانصرف عنه ولا تتخذه وطنا ) لكن الذي يفهم من هذه الرواية ان حالة الشعث والاغبرار ليست حالة يفعلها الزائر بنفسه بالتمرغل بالتراب بل حالة تحصل من قطع المسافة للوصول الى الحسين (عليه السلام) او البقاء لفترة من الزمن عند الحسين (عليه السلام).







السؤال: الانفاق على الشعائر
البعض يشكل على اقامتنا للشعائر وعدم جدوى منها لأنها لم تصلح المجتمع من الانحطاط و التخلف الذي يعاني منه
و لا يمكن أن تصلحه ... وكذلك يشكلون على انفاق الاموال على زوار الامام الحسين ع و على اقامة الزيارة يقولون انفاق هذه الاموال على اعمال الخير لتخلصنا مما يعانيه مجتمعنا من بؤس و فقر و تخلف و انحطاط ..... فما جواب
الجواب:

ان كان المقصود بالتخلف والانحطاط التخلف العلمي على صعيد بناء الدنيا واعمارها فان الشعائر الحسينية ليس دورها بناء وعمارة الدنيا وان كان المقصود بالتخلف والانحطاط التخلف العلمي على الصعيد الاخروي بان لا تبني الشعائر الانسان من الناحية العملية فالامر لا يكون صحيحا فان قسما من الشعائر الحسينية هو اقامة المجالس والمحاضرات التي تبني الانسان على الصعيد الاخلاقي والعقائدي بل الفقهي ايضا وتخلق حالة من الوعي والاستيعاب للاحداث الجارية والحوادث التاريخية وهذا كله ببركة المجالس الحسينية نعم ربما كثير من الشباب يعزف في ايام عاشوراء من حضور مثل هكذا مجالس ويشتغل باعمال اخرى وهذا من النقص الحاصل عند مثل هكذا افراد لا من النقص في الشعائر الحسينية؟
واما انفاق الاموال على الشعائر الحسينية فهو لا يتعارض مع انفاق المال على الفقراء والمحتاجين وكثير من المؤمنين في الوقت الذي ينفقون على الشعائر الحسينية فانهم ينفقون على الفقراء والمحتاجين واما بعض من لا ينفق على الشعائر فيتذرع لعدم الانفاق بان الانفاق على الفقراء افضل لكنه في الواقع لا ينفق على الشعائر ولا ينفق على الفقراء .

السؤال: احتفال المسلمين بمولد النبي (صل الله عليه واله)
كيف كان يحتفل المسلمون بالمولد النبوي
الجواب:
ان الاهتمام بالمناسبات والمواسم قد بدأ منذ زمن بعيد يقول القسطلاني في المواهب اللدنية ج1 ص28 (ولا زال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده (عليه السلام)، ويعملون الولائم، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عظيم... فرحم الله امرئ اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعيادا، ليكون أشد علة على من في قلبه مرض وأعياه داء).
ويقول ابن عباد في كتابه القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل ص175 (وأما المولد فالذي يظهر لي أنه عيد من أعياد المسلمين وموسم من مواسمهم وكل ما يفعل فيه ما يقتضيه وجود الفرح والسرور بذلك المولد المبارك من إيقاد الشمع وإمتاع البصر والسمع والتزين بلبس فاخر الثياب وركوب فاره الدواب أمر مباح لا ينكر على أحد ).
ويقول ابن حجر ( ينبغي الاقتصار على ما يفهم منه الشكر لله تعالى من التلاوة والاطعام والصدقة وانشاد شيء من المدائح النبوية ).
فيظهر من هذه الانظار ان المسلمين كانوا يحتفلون بالمولد النبوي بالاعمال الصالحة كالإطعام والصدقة وانشاد المدائح وغيرها من الامور المباحة وقد اثبت السيد مرتضى العاملي في كتابه المواسم والمراسم جواز بل رجحان هذه الاعمال من الدلائل العقلية والنقلية وبين هناك كيف كان المسلمون يحتفلون في هذا اليوم وهذا الكتاب موجود على بعض المواقع وخاصة في برنامج مكتبة اهل البيت موجود.


رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
واجوبة, البيت, احياء, اسئلة

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:20 PM